قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن رحلة صعود جياني إنفانتينو إلى رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تمثل واحدة من أبرز القصص التي تكشف العلاقة المعقدة بين الرياضة والسلطة والسياسة، موضحًا أن الأحداث التي سبقت انتخابه ثم الجدل الذي رافق فترة رئاسته قدمت دروسًا مهمة للمستثمرين الراغبين في دخول قطاع الرياضة العالمي.
وأضاف شقير، أن الاستثمار الرياضي لم يعد يعتمد فقط على حجم الجماهير أو الإيرادات، وإنما أصبح يرتبط بصورة مباشرة بجودة الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر، وهي عوامل تكتسب أهمية متزايدة مع توسع الاستثمارات الرياضية في المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفات رؤية 2030.
أزمة “فيفا غيت” مهدت لظهور قيادة جديدة
وأوضح سامر شقير، أن الاتحاد الدولي لكرة القدم كان يعيش واحدة من أصعب مراحله قبل وصول جياني إنفانتينو إلى الرئاسة في فبراير 2016، بعدما تحولت فضيحة “فيفا غيت” التي انفجرت في مايو 2015 إلى أكبر أزمة فساد شهدتها المنظمة.
وأضاف شقير، أن الرئيس السابق سيب بلاتر، الذي بدأ مسيرته داخل فيفا منذ سبعينيات القرن الماضي في قطاع التسويق قبل أن يتولى الرئاسة عام 1998، واجه اتهامات واسعة بعدما كشفت تحقيقات وزارة العدل الأمريكية عن أكثر من 150 مليون دولار من الرشاوى والعمولات غير المشروعة، التي ارتبطت بحقوق التسويق والتصويت لاستضافة بطولتي كأس العالم 2018 في روسيا و2022 في قطر.
وأشار شقير، إلى أن القضية تضمنت تحويلات مالية سرية، وعقودًا وهمية، وهدايا باهظة، مقابل الحصول على أصوات داخل الاتحاد، فيما تورط أيضًا ميشيل بلاتيني، الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، في دفعة مالية بلغت 1.3 مليون جنيه إسترليني عام 2011، وصفتها لجنة الأخلاقيات بأنها تمثل “تنفيذًا تعسفيًّا للمنصب”، لينتهي الأمر بإيقاف بلاتر وبلاتيني لمدة ثماني سنوات، إلى جانب إدانة وسجن عدد من المسؤولين.
إنفانتينو.. من خبير قانوني إلى رئيس فيفا
وقال سامر شقير: إن جياني إنفانتينو وُلد في سويسرا عام 1970 لأسرة إيطالية مهاجرة، ودرس القانون في جامعة فريبورغ، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية مستشارًا قانونيًّا وأمينًا عامًا في المركز الدولي للدراسات الرياضية (CIES) بمدينة نوشاتيل.
وأضاف شقير، أن إنفانتينو انضم إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عام 2000، وشغل عدة مناصب، شملت إدارة الشؤون القانونية وترخيص الأندية عام 2004، ثم منصب نائب الأمين العام في 2007، قبل أن يصبح الأمين العام لـUEFA خلال الفترة من 2009 وحتى انتخابه رئيسًا لفيفا في عام 2016، بعدما قدم نفسه باعتباره مرشح الإصلاح والشفافية وإعادة بناء الثقة داخل المنظمة.
الجدل لم يتوقف بعد وصوله إلى الرئاسة
وأشار سامر شقير، إلى أن الوعود بالإصلاح لم تمنع استمرار الجدل حول إدارة الاتحاد الدولي لكرة القدم، حيث واجه إنفانتينو خلال عامي 2016 و2017 تحقيقات أخلاقية داخلية بشأن مزاعم تتعلق بمحاولات التأثير في انتخابات رئاسة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم.
وأضاف شقير، أن منتقديه اتهموه بالعمل على تركيز السلطة داخل مؤسسة فيفا، وإجراء تعديلات تنظيمية ساعدت على توسيع نفوذه، فضلًا عن توسيع بطولة كأس العالم إلى 48 منتخبًا، وهي قرارات رأى البعض أنها حملت أبعادًا سياسية وإدارية إلى جانب أهدافها الرياضية، رغم استمرار نمو إيرادات الاتحاد الدولي خلال تلك الفترة.
الاتصالات السياسية تثير تساؤلات جديدة
وأوضح سامر شقير، أن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة تمثلت في التقارير التي تحدثت عن وجود اتصالات مباشرة بين جياني إنفانتينو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية ملفات مرتبطة بتنظيم كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وأضاف شقير، أن تقارير إعلامية وتحقيقات أشارت إلى دعوات داخل البرلمان الأوروبي لمراجعة طبيعة تلك الاتصالات، في ظل مزاعم عن ممارسة ضغوط أو تنسيق سياسي بشأن بعض القرارات المتعلقة بالبطولة، ووصلت بعض الروايات إلى الحديث عن تدخلات مزعومة في ملفات رياضية، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول حدود العلاقة بين السياسة وإدارة كرة القدم، في وقت تؤكد فيه لوائح فيفا رفض أي تدخل سياسي في الشؤون الرياضية.
الاستثمار الرياضي يبدأ من الحوكمة
وأكد سامر شقير، أن هذه التطورات تقدم درسًا مهمًا للمستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية، إذ إن الاستثمار في الأندية الرياضية، وحقوق البث، والبنية التحتية، والبطولات الكبرى، لم يعد يعتمد فقط على العائد المالي المتوقع، بل أصبح يتطلب تقييمًا شاملًا للمخاطر التنظيمية والسياسية والسمعة المؤسسية.
وأضاف شقير، أن تغيُّر قواعد اللعبة نتيجة اعتبارات سياسية أو إدارية قد يؤثر بصورة مباشرة في قيمة الأصول الرياضية والعوائد الاستثمارية، وهو ما يجعل الحوكمة الرشيدة عاملًا رئيسيًّا في أي قرار استثماري طويل الأجل.
سامر شقير: رؤية 2030 تقدم نموذجًا أكثر استدامة
وقال سامر شقير: إن التجربة السعودية في تطوير القطاع الرياضي ضمن مستهدفات رؤية 2030 تقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على التخطيط طويل الأمد، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الشفافية، وبناء شراكات استراتيجية تستهدف تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة.
وأضاف شقير، أن الاستثمارات السعودية في الرياضة والسياحة والترفيه والمدن الرياضية خلقت بيئة أكثر استقرارًا لجذب رؤوس الأموال، كما أن استضافة كأس العالم 2034 تمثل فرصة اقتصادية تتجاوز تنظيم بطولة رياضية، لتصبح منصة لدعم السياحة، وخلق الوظائف، وتحفيز الاستثمارات في مختلف القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الرياضي.
دروس للمستثمرين في 2026 وما بعدها
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن قصة جياني إنفانتينو لا تقتصر على مسيرة شخصية أو أحداث داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم، بل تمثل نموذجًا يوضح أهمية الحوكمة والشفافية في حماية الاستثمارات الرياضية.
وأضاف شقير، أن المستثمر الذكي لا يبحث فقط عن الأسواق ذات العوائد المرتفعة، وإنما يركز أيضًا على البيئات التي تقوم على وضوح الأنظمة واستقرار التشريعات وجودة الإدارة، مؤكدًا أن المملكة العربية السعودية أصبحت من أبرز الأسواق التي توفر هذه المقومات، وهو ما يجعلها إحدى أهم الوجهات للاستثمار المؤسسي في الرياضة والاقتصاد خلال السنوات المقبلة.