يرى رائد الاستثمار سامر شقير، أن التحول المتسارع في سوق الخدمات القانونية السعودية لم يعد مجرد نتيجة لزيادة عدد مكاتب المحاماة الدولية في الرياض، بل أصبح جزءًا من إعادة تشكيل الاقتصاد غير النفطي، مع انتقال المملكة إلى مرحلة تتطلب توطين المعرفة والعلاقة والقرار إلى جانب توطين النشاط الاقتصادي نفسه.
وقال سامر شقير: إن الصفقات الكبرى والمشروعات العملاقة تولد مئات الملايين من الدولارات من الإنفاق القانوني والاستشاري، لكن السؤال الاستثماري الأهم لا يتعلق بحجم الإنفاق، وإنما بمن يحصل على التكليف، ومَن يملك العلاقة مع العميل، ومَن يتخذ القرار، ومَن يحتفظ بالأرباح والخبرة داخل المملكة.
وقال سامر شقير: “المستثمر المؤسسي لا يشتري وجود مكتب قانوني في الرياض، بل يشتري انخفاضًا في علاوة المخاطر المرتبطة بإنفاذ العقد، عندما تصبح تكلفة التفاوض وتسوية النزاع جزءًا قابلًا للقياس من نموذج التدفقات النقدية، يتحول الإنفاق القانوني من بند إداري إلى متغير مباشر في تخصيص رأس المال”.
وأوضح سامر شقير، أن نمو الاقتصاد غير النفطي وتوسع الاستثمارات الأجنبية والمشروعات الحكومية والخاصة يزيد الحاجة إلى عقود أكثر تعقيدًا وهياكل تمويل وشراكات وعمليات اندماج واستحواذ تحتاج إلى خبرة قانونية محلية ودولية في الوقت نفسه.
وأشار سامر شقير، إلى أن نظام المعاملات المدنية الذي دخل حيز التنفيذ في 2023 يمثل محطة مهمة في تطوير البيئة التشريعية، لأنه وفر إطارًا أكثر وضوحًا للعلاقات التعاقدية، بما يساعد المستثمرين على تقدير المخاطر القانونية وتكلفة النزاعات بصورة أكثر دقة.
ويرى سامر شقير، أن انفتاح السوق أمام المكاتب الأجنبية منذ 2023 أدى إلى دخول عدد كبير من المؤسسات القانونية العالمية إلى الرياض، لكن الحصول على الترخيص لا يعني تلقائيًّا احتفاظ الاقتصاد السعودي بالقيمة الأعلى من سلسلة الخدمات القانونية.
وقال سامر شقير: “القيمة الأعلى لا تحسم في غرفة الصياغة فقط، بل عند مَن يملك العلاقة مع الجهة المانحة للتكليف ومَن يحدد القانون الحاكم وهيكل المسؤولية. إذا بقيت هذه الطبقة في لندن أو نيويورك، فإن الرياض تنفذ والعائد يوزع في مكان آخر”.
وأكد سامر شقير، أن نموذج الشراكة بين المكاتب السعودية والدولية يمكن أن يكون أكثر فاعلية إذا أدى إلى نقل المعرفة وبناء الكفاءات وتوطين العلاقة مع العملاء، بدلًا من أن يقتصر على تنفيذ العمل داخل المملكة لحساب شبكات خارجية.
وتتزامن هذه التحولات مع توسع سوق التحكيم وتسوية المنازعات داخل السعودية، فقد شهد المركز السعودي للتحكيم التجاري نموًا في عدد القضايا وقيم المطالبات، مدفوعًا بصورة خاصة بمشروعات البناء والتشييد والخدمات والمشروعات الكبرى، وهو ما يعزز موقع المملكة كمركز متنام لتسوية النزاعات التجارية.
ويرى سامر شقير، أن التحكيم يمثل قناة إضافية لاحتجاز القيمة داخل الاقتصاد، لأن انتقال رسوم الإدارة والخبرة والأتعاب القانونية إلى المملكة يخلق قطاعًا مهنيًّا أكثر عمقًا، ويقلل الحاجة إلى نقل النزاعات المرتبطة بالمشروعات السعودية إلى مراكز خارجية.
وأضاف شقير: “بعد توطين جزء من التصنيع واللوجستيات، السؤال التالي هو توطين القرار المهني، المستثمر الذي يمول مشروعًا لعشرين عاما يريد أن تكون المعرفة التعاقدية والتحكيمية قريبة من الأصل، لا مستوردة عند كل نزاع”.
وأشار سامر شقير، إلى أن الطلب القانوني الأكبر يأتي من قطاعات تمويل المشاريع والطاقة والعقار والتقنية والأسواق المالية والاندماجات والاستحواذات والمشروعات المرتبطة بالاستثمار الحكومي والخاص، ما يجعل سوق الخدمات القانونية مرتبطة مباشرة بدورة الاستثمار في الاقتصاد السعودي.
ويرى شقير، أن توسع الأصول المدارة وتطور السوق المالية السعودية يزيد الحاجة إلى الحوكمة والإفصاح والامتثال والاستشارات التنظيمية، بينما يؤدي صعود الذكاء الاصطناعي والتقنيات القانونية إلى تقليص قيمة الأعمال المتكررة مثل البحث والمراجعة الأولية للعقود، ورفع قيمة الخبرة والحكم المهني والعلاقات المؤسسية.
وحذر سامر شقير من أن نجاح التحول يعتمد على قدرة السوق على تحويل التشريعات إلى نتائج عملية قابلة للتوقع، موضحًا أن إصدار الأنظمة وحده لا يكفي إذا ظلت مدة النزاعات أو تفاوت التفسير أو نقص السوابق المنشورة عوامل ترفع علاوة المخاطر.
وقال شقير: “رأس المال يذهب حيث يمكن تسعير العقد وإنفاذه وإعادة هيكلته دون مفاجآت، السوق القانونية السعودية لم تعد قصة انفتاح مهني فقط، بل اختبار لقدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بالطبقة الأعلى من القيمة في اقتصاد المعرفة”.
ويرى شقير، أن الأشهر والسنوات المقبلة قد تشهد مزيدًا من الاندماجات بين المكاتب المحلية والدولية، إلى جانب نمو شركات التقنية القانونية والخدمات المتخصصة في الحوكمة والامتثال والتحكيم.
واختتم سامر شقير قائلًا: “من يبني علاقة العميل والكفاءة المقيمة والمقعد التحكيمي يملك العائد المركب، ومَن يكتفي بتنفيذ الأوراق يشارك في النمو دون أن يملكه، لذلك فإن المؤشر الحقيقي لنجاح توطين الخدمات القانونية ليس عدد المكاتب التي افتتحت فروعها في الرياض، وإنما حجم المعرفة والأرباح والقرارات التي أصبحت تبقى داخل المملكة”.