قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن التراجعات الحالية في أسعار الذهب تعكس مرحلة إعادة تسعير عالمية للأسواق أكثر من كونها استجابة مباشرة للتوترات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن هبوط الذهب إلى مستوى 4,307.73 دولار للأونصة، وتراجع الفضة إلى 66.98 دولار، يأتي في سياق موجة تقلبات مدفوعة بعوامل فنية مرتبطة بجني الأرباح وتغير توقعات السياسات النقدية العالمية، وليس فقط التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
وأوضح شقير، أن الأسواق العالمية باتت تتحرك في بيئة معقدة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع قرارات البنوك المركزية وسلوك المستثمرين المؤسسيين، وهو ما يجعل قراءة حركة الذهب بمعزل عن هذه العوامل قراءة غير مكتملة، مؤكدًا أن: “التقلبات الحالية لا تنفي دور الذهب كملاذ آمن، لكنها تؤكد أن السوق أصبح أكثر حساسية وسرعة في إعادة التسعير”.
الذهب بين الملاذ الآمن ودورات التصحيح السعري
أكَّد سامر شقير، أنَّ الذهب لا يزال يحتفظ بوظيفته التاريخية كأداة تحوط رئيسية ضد المخاطر الجيوسياسية والتضخم، إلا أن دوره داخل المحافظ الاستثمارية لم يعد قائمًا على فكرة “الحماية المطلقة”، بل على “إدارة التوازن” داخل منظومة أصول متعددة.
وأضاف شقير، أن فترات التراجع الحالية تمثل فرصًا لإعادة بناء المراكز الاستثمارية بشكل تدريجي، خاصة للمستثمرين طويلَي الأجل الذين يتعاملون مع الذهب كجزء من استراتيجية تنويع وليس كرهان اتجاهي قصير الأجل.
وأشار شقير، إلى أن أدوات الاستثمار في الذهب أصبحت أكثر تنوعًا من أي وقت مضى، وتشمل السبائك والعملات الذهبية وصناديق المؤشرات المتداولة، إضافة إلى أسهم شركات التعدين التي قد تحقق أداءً أعلى في بعض الدورات نتيجة الرافعة التشغيلية المرتبطة بالإنتاج والتكاليف.
الأسواق العالمية بين التوترات الجيوسياسية وإعادة توزيع السيولة
تأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة مع عودة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما عادة ما يدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة.
لكن سامر شقير يرى أن السلوك الحالي للأسواق يعكس تحولًا أعمق في آليات اتخاذ القرار الاستثماري، حيث أصبحت السيولة أكثر مرونة وسرعة في الانتقال بين الأصول، مما يقلل من استمرارية موجات “الملاذ الآمن” التقليدية.
وقال شقير: إن السوق اليوم لا تتحرك فقط على أساس الخوف، بل على أساس إعادة توزيع الفرص، وهذا ما يفسر بقاء الذهب تحت ضغط رغم استمرار التوترات السياسية.
السعودية كمنصة استقرار استثماري وسط تقلبات المعادن العالمية
في المقابل، تبرز المملكة العربية السعودية كبيئة استثمارية أكثر استقرارًا وسط هذه التقلبات، مدعومة بإصلاحات هيكلية واسعة ضمن رؤية 2030، التي أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد المحلي ورفعت من جاذبية السوق السعودي للاستثمارات الأجنبية.
وأوضح سامر شقير، أن صندوق الاستثمارات العامة يلعب دورًا محوريًّا في تحويل السعودية إلى منصة استثمارية عالمية، من خلال استثمارات نوعية في قطاعات استراتيجية تعزز التنويع الاقتصادي وتقلل الاعتماد على الدورات التقليدية للأسواق العالمية.
وأضاف شقير، أن ما يحدث في السعودية اليوم هو بناء منظومة اقتصادية قادرة على امتصاص صدمات الأسواق العالمية، وتحويلها إلى فرص نمو داخلية مدفوعة بالطلب الحقيقي وليس المضاربات.
5 مسارات استراتيجية تُعيد تشكيل فرص 2026
ويرى سامر شقير أن المشهد الاستثماري في 2026 يتمحور حول خمسة قطاعات رئيسية تشمل الطاقة والتصنيع، اللوجستيات والمواني، التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التعدين والمواد الاستراتيجية، وأسواق رأس المال.
وأشار شقير، إلى أن قطاع التعدين، بما في ذلك الذهب والمعادن النادرة، يمثل نقطة تقاطع مباشرة بين تقلبات الأسواق العالمية واستراتيجية السعودية في تعظيم القيمة المضافة من الموارد الطبيعية.
وأوضح شقير، أن هذه المسارات لا تمثل فقط فرص نمو، بل أيضًا أدوات تحوط استراتيجية ضد عدم الاستقرار العالمي، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتغير السياسات النقدية العالمية.
نموذج الاستثمار الهجين لإدارة تقلبات 2026
دعا سامر شقير إلى تبني نموذج “الاستثمار الهجين” الذي يجمع بين الأصول الدفاعية مثل الذهب، والأصول عالية النمو داخل الاقتصاد السعودي، بما يحقق توازنًا بين تقليل المخاطر وتعظيم العوائد على المدى الطويل.
وأكَّد شقير، أنَّ المرحلة الحالية تتطلب انتقال المستثمر من عقلية “رد الفعل” إلى عقلية “بناء المراكز”، مع الاعتماد على التحليل الكلي للاتجاهات الاقتصادية بدلًا من متابعة التقلبات اللحظية للأسواق، قائلًا: إن المستثمر الذي ينجح في 2026 هو مَن يفهم أن إدارة المخاطر لم تعد خيارًا، بل أصبحت أساس عملية بناء الثروة في بيئة عالمية غير مستقرة.
الذهب يحمي.. والسعودية تصنع النمو
واختتم سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن التراجعات الحالية في أسعار الذهب لا تمثل تحولًا في دوره الاستثماري، بل تعكس إعادة توازن طبيعية داخل الأسواق العالمية، في حين تبرز السعودية كأحد أهم محركات النمو المستقبلي في الاقتصاد الإقليمي.
وأضاف شقير، أن الذهب يظل أداة لحماية الثروة، لكن بناء الثروة الحقيقية اليوم يرتبط بالاقتصادات الصاعدة القادرة على خلق نمو مستدام، وعلى رأسها السعودية ضمن رؤية 2030.