Contact Us
newsletter

سامر شقير يكتب: المغرب يرفع الإنفاق إلى 82.5 مليار دولار.. أين تكمُن الفرص الاستثمارية؟

سامر شقير يكتب: المغرب يرفع الإنفاق إلى 82.5 مليار دولار.. أين تكمُن الفرص الاستثمارية؟

في قراءة الموازنات الحكومية، لا تكمُن الأهمية في حجم الإنفاق وحده، بل في قدرة الدولة على تحويل الأموال المخصصة إلى نمو اقتصادي مستدام، مع الحفاظ على استقرار المالية العامة وجاذبية الاستثمار، ومن هذا المنطلق، يلفت مشروع قانون المالية المغربي لعام 2027 الانتباه، مع توجه الحكومة إلى رفع الإنفاق إلى نحو 825.6 مليار درهم، بما يعادل 82.5 مليار دولار، بالتوازي مع استهداف خفض عجز الموازنة إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي.

أرى أن هذه المعادلة تضع المغرب أمام اختبار اقتصادي مهم: كيف يمكن توسيع الإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي، وتحسين القدرة الشرائية، دون زيادة الضغوط على الدين العام أو إضعاف قدرة الدولة على تمويل أولوياتها المستقبلية؟

بالنسبة إلى المستثمرين المؤسسيين، لا يتعلق الأمر بميزانية أكبر فحسب، بل بمدى قدرة السياسات المالية على خلق فرص استثمارية قابلة للاستمرار، وتحفيز القطاع الخاص، وتعزيز تدفقات رأس المال طويل الأجل.

ضبط العجز مع توسيع الإنفاق

تستهدف الحكومة المغربية، وفق الأرقام الواردة في مشروع الميزانية، زيادة الإنفاق بنسبة 8.44% إلى 825.6 مليار درهم، مقابل ارتفاع متوقع للإيرادات بنسبة 10.39% إلى نحو 786.6 مليار درهم، ويتيح هذا المسار استهداف عجز يبلغ 38.9 مليار درهم، بما يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي.

ما أراه مهمًا في هذه الأرقام هو أن الإيرادات المستهدفة تنمو بوتيرة أسرع من النفقات، وإذا تحقق ذلك فعلياً، فقد تتمكن الحكومة من توسيع الإنفاق دون الانحراف عن مسار ضبط العجز، وهو ما يدعم ثقة المستثمرين في قدرة المغرب على إدارة التزاماته المالية.

لكن الفارق بين المستهدف والمتحقق يظل حاسماً، فالإيرادات الحكومية تتأثر بأداء الاقتصاد، ومستويات الاستهلاك، والنشاط الصناعي والتجاري، إلى جانب كفاءة التحصيل الضريبي، ولذلك، فإن نجاح الميزانية لن يُقاس بالأرقام المعلنة وحدها، بل بمدى تحققها خلال العام.

وتشير التقديرات الواردة إلى تراجع الدين العام من 67.5% إلى 66.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وإذا تحقق هذا الانخفاض بالتوازي مع نمو اقتصادي مستقر، فقد يمنح المغرب مساحة أكبر لإدارة تكاليف التمويل وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية.

الاستثمار العمومي.. أين تتشكَّل الفرص؟

يبرز الاستثمار العمومي باعتباره أحد أهم محركات الميزانية الجديدة، مع استهداف مستوى قياسي يقارب 400 مليار درهم، بزيادة 5.2%، وفق الأرقام الواردة في المشروع.

من وجهة نظري، لا تكمن القيمة الاستثمارية في حجم المخصصات وحده، بل في القطاعات التي ستستوعب هذه الأموال، وقدرتها على توليد طلب إضافي من القطاع الخاص، فمشروعات البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية يمكن أن تفتح فرصًا أمام شركات المقاولات والموردين ومشغلي المرافق ومقدمي الخدمات التقنية، كما قد تدعم توسع الأنشطة الصناعية الموجهة للتصدير.

لكن هذه الفرص ليست متساوية من حيث العائد والمخاطر، فالمستثمر المؤسسي يحتاج إلى تقييم الجدوى الاقتصادية لكل مشروع، ومدى وضوح إيراداته المستقبلية، وتوزيع المخاطر بين الحكومة والقطاع الخاص، وتكلفة التمويل على مدى عمر الاستثمار.

وأعتقد أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص قد تمثل إحدى الأدوات المهمة لتعظيم أثر الإنفاق الحكومي، بشرط وجود أطر تعاقدية واضحة، وتوزيع متوازن للمخاطر، وقدرة فعلية على تحويل الأصول والمشروعات إلى تدفقات نقدية مستدامة.

الإنفاق الاجتماعي بين دعم الاستهلاك والاستدامة المالية

يخصص المشروع نحو 62 مليار درهم لإجراءات اجتماعية تشمل تحسين القدرة الشرائية، وإعفاء الرواتب التي تقل عن 10 آلاف درهم شهريًّا من ضريبة الدخل وفق المقترح الوارد، إلى جانب رفع المعاشات والمساعدات للأسر المحتاجة ودعم الكهرباء.

كما يستهدف رفع الإنفاق على الصحة بنسبة 7% إلى 45.5 مليار درهم، وعلى التعليم بنسبة 4.6% إلى 121 مليار درهم.

اقتصاديًّا، يمكن لهذه الإجراءات أن تدعم الاستهلاك المحلي وتخفف الضغوط على الأسر، كما قد تسهم الاستثمارات في الصحة والتعليم في تعزيز رأس المال البشري على المدى الطويل.

ومع ذلك، فإنني أميز بين الإنفاق الذي يحقق أثرًا استهلاكيًّا سريعًا والإنفاق الذي يرفع الإنتاجية الاقتصادية بصورة مستدامة، فكلاهما مهم، لكن نجاح السياسة المالية يعتمد على تحقيق التوازن بين الحماية الاجتماعية وتوسيع القاعدة الإنتاجية.

السؤال الأساسي هنا هو ما إذا كانت زيادة الإنفاق ستؤدي إلى نمو أعلى في الإنتاج والدخل وفرص العمل، أم أن أثرها سيظل محدودًا في دعم الطلب على المدى القصير، والإجابة ستعتمد على كفاءة التنفيذ، وقدرة الشركات المحلية على الاستفادة من الإنفاق، ومدى ارتباط البرامج الاجتماعية بتحسين جودة الخدمات والفرص الاقتصادية.

ماذا تعني الميزانية للمستثمرين المؤسسيين؟

ينظر المستثمرون المؤسسيون إلى الموازنات الحكومية باعتبارها مؤشرًا على اتجاه السياسة الاقتصادية، لكنها لا تمثل وحدها أساسًا كافيًا لاتخاذ قرارات تخصيص رأس المال.

في الحالة المغربية، قد يوفر الجمع بين الاستثمار العمومي وضبط العجز فرصًا انتقائية في قطاعات البنية التحتية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والسياحة، إلى جانب الشركات التي تستفيد من توسع النشاط الاقتصادي المحلي.

أما في سوق الدين السيادي، فإن استقرار المسار المالي وتراجع نسبة الدين إلى الناتج قد يدعمان جاذبية الإصدارات المغربية لدى بعض المستثمرين الباحثين عن فرص في الأسواق الناشئة، لكن تقييم هذه الفرص يتطلب النظر أيضًا إلى العائد الحقيقي، ومخاطر العملة، وتكاليف التحوط، والسيولة، وتطور أسعار الفائدة العالمية.

كذلك، ينبغي مراقبة أثر التغييرات الضريبية المقترحة، بما فيها رفع الضريبة على أرباح شركات توزيع المحروقات التي تتجاوز 100 مليون درهم إلى 40%، وفقًا لما ورد في المشروع، فقد تؤثر هذه الإجراءات في هوامش بعض الشركات، وهو ما يستدعي تقييم كل قطاع على حدة بدلًا من افتراض أن جميع الشركات ستستفيد بالقدر نفسه من التوسع المالي.

ومن منظور تخصيص رأس المال، أفضل التركيز على الشركات التي تستطيع تحويل الطلب الناتج عن الإنفاق العام إلى إيرادات متكررة، مع الحفاظ على هوامش تشغيلية مناسبة ومستويات دين قابلة للإدارة.

المغرب في حسابات رأس المال الخليجي

يمثل المغرب سوقًا يستحق المتابعة من جانب المستثمرين الخليجيين، بالنظر إلى موقعه الجغرافي، وارتباطه بالأسواق الأوروبية والأفريقية، والفرص المحتملة في الطاقة المتجددة والبنية التحتية والصناعة والسياحة.

وقد يتيح التوسع في الاستثمار العمومي فرصًا للشراكات العابرة للحدود، خصوصًا في المشروعات التي تتطلب تمويلًا طويل الأجل وخبرات تشغيلية وتقنية، كما يمكن أن تتقاطع هذه الفرص مع توجهات صناديق الاستثمار الخليجية نحو تنويع المحافظ جغرافيًّا وقطاعيًّا.

لكن جاذبية المغرب لا ينبغي أن تُبنى على حجم الإنفاق الحكومي وحده، فالعائد الاستثماري يتوقف على البيئة التنظيمية، ووضوح القواعد، وإمكانية تحويل الأرباح، ومخاطر التنفيذ، والقدرة على تحقيق عائد مناسب مقارنة بتكلفة رأس المال.

وبالنسبة إلى المستثمر طويل الأجل، فإن الفرصة الأكثر استدامة تتمثل في المشروعات التي تخلق قيمة اقتصادية حقيقية، وتدعم الإنتاجية، وتستقطب استثمارات خاصة إضافية، بدلًا من الاعتماد الدائم على الإنفاق العام.

الاختبار الحقيقي يبدأ بالتنفيذ

رغم المؤشرات الإيجابية التي يستهدفها مشروع الميزانية، تظل هناك مخاطر تستحق المتابعة، من بينها تباطؤ النمو عن التوقعات، وتقلبات الإنتاج الزراعي، وتغير ظروف التجارة الخارجية، وارتفاع تكاليف التمويل العالمي.

كما أن الالتزامات الاجتماعية والإنفاق الجاري قد يحدان من مرونة الموازنة إذا تعرض الاقتصاد لصدمة خارجية أو جاءت الإيرادات دون المستهدف، وفي هذه الحالة، ستصبح كفاءة ترتيب الأولويات أكثر أهمية من مجرد زيادة المخصصات المالية.

لذلك، أرى أن المستثمرين يحتاجون إلى متابعة ثلاثة مؤشرات رئيسية خلال عام 2027: مدى تحقق الإيرادات الحكومية، وسرعة تنفيذ المشروعات الاستثمارية، والأثر الفعلي للإنفاق في النمو والتشغيل والإنتاجية.

إذا نجح المغرب في تحقيق هذه الأهداف بالتوازي مع خفض العجز والحفاظ على مسار الدين، فقد يعزز موقعه كوجهة للاستثمار طويل الأجل، خصوصًا في القطاعات التي تجمع بين الطلب المتنامي والقدرة على توليد تدفقات نقدية مستقرة.

في النهاية، لا تُقاس قوة الميزانية بحجم الأموال التي تنفقها الحكومة، بل بمقدار القيمة الاقتصادية التي تنجح في خلقها، والتحدي أمام المغرب ليس تمويل طموحاته فحسب، بل تحويل الإنفاق إلى إنتاجية وفرص عمل واستثمارات خاصة، مع الحفاظ على الاستقرار المالي الذي تحتاج إليه الأسواق ورؤوس الأموال طويلة الأجل.