أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ الانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا هيكليًّا في أسواق العمل العالمية، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تعريف لقيمة المهارات البشرية، مع انتقال الأهمية النسبية من المهام المعرفية المتكررة إلى القدرات التي تعتمد على التنفيذ العملي، والحكم الواقعي، والابتكار خارج الأنماط التقليدية.
وأوضح سامر شقير، أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة إعادة تسعير واسعة لرأس المال البشري، حيث تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تقليل القيمة النسبية لبعض المهام المكتبية القابلة للتكرار، في الوقت الذي ترتفع فيه أهمية العمالة المهنية المتخصصة والقدرات الإبداعية التي يصعب على الأنظمة الآلية محاكاتها بالكامل.
وأشار سامر شقير، إلى أن تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة بالانتير أليكس كارپ حول الفئات الأكثر قدرة على التكيف مع عصر الذكاء الاصطناعي تعكس اتجاهًا أوسع في سوق العمل، يتمثل في ارتفاع قيمة العاملين الذين يجمعون بين الخبرة العملية، والقدرة على التعامل مع بيئات معقدة، والقدرة على التفكير بطرق غير تقليدية.
وقال سامر شقير: إن التحول الجاري لا يقتصر على استبدال وظائف بأخرى، بل يعيد تعريف ما يعتبر رأسمالًا بشريًّا منتجًا، المستثمرون المؤسسيون الذين يواصلون تخصيص مواردهم كما لو أن المهارات المعرفية المتكررة ستظل نادرة سيجدون أنفسهم أمام أصول منخفضة العائد نسبيًّا على المدى المتوسط”.
وأوضح سامر شقير، أن البيانات الحالية تشير إلى تغير واسع في طبيعة الوظائف، حيث تواجه بعض المهام التحليلية والكتابية والبرمجية ضغوطًا نتيجة توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تستمر الحاجة إلى المهارات المهنية في مجالات البناء والطاقة والصيانة والتصنيع والخدمات الميدانية.
وأكد شقير، أن هذا التباين لا يمثل مجرد دورة اقتصادية قصيرة، بل يعكس تحولًا طويل الأجل في طريقة توزيع القيمة داخل الاقتصاد، حيث تنتقل الأفضلية إلى المهارات التي تجمع بين المعرفة التقنية والقدرة على التنفيذ في العالم الواقعي.
وأضاف سامر شقير، أن المستثمرين المؤسسيين بدأوا في إعادة النظر في استراتيجيات تخصيص رأس المال، مع زيادة الاهتمام بالقطاعات التي تربط بين التكنولوجيا والقدرات البشرية، مثل التعليم المهني، والتدريب التقني، والمنصات التي تساعد العمال الميدانيين على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأشار شقير، إلى أن الشركات التي تعتمد بشكل كبير على المهام المعرفية القابلة للأتمتة قد تواجه ضغوطًا على نماذج التوظيف وهوامش الربحية، بينما يمكن للشركات التي تمتلك مزيجًا من التكنولوجيا والخبرة التشغيلية أن تحقق ميزة تنافسية أكبر خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح سامر شقير، أن “الطبقة التكميلية” بين الإنسان والذكاء الاصطناعي ستصبح من أهم مجالات الاستثمار طويل الأجل، مؤكدًا أن القيمة لن تكون فقط في امتلاك التقنيات المتقدمة، بل في القدرة على دمج هذه التقنيات مع مهارات بشرية متخصصة.
وفي سياق الاقتصاد السعودي والخليجي، أكد سامر شقير أن التحول العالمي في سوق العمل يكتسب أهمية خاصة مع تنفيذ مشاريع كبرى ضمن رؤية 2030، والتي تتطلب قاعدة واسعة من المهارات المهنية والتقنية في قطاعات البناء والطاقة والصناعة والسياحة والبنية التحتية.
وأوضح شقير، أن المملكة العربية السعودية تمتلك فرصة استراتيجية للاستفادة من هذا التحول من خلال توجيه جزء من رأس المال السيادي نحو تطوير منظومة تعليمية وتدريبية تجمع بين المهارات العملية والقدرات الإبداعية، بما يتوافق مع احتياجات الاقتصاد الجديد.
وقال سامر شقير: “المملكة في موقع فريد للاستفادة من هذا التحول، لأنها تجمع بين الحاجة الهائلة للمهارات العملية في المشاريع العملاقة والقدرة على توجيه رأس المال السيادي نحو بناء منظومة تعليمية وتدريبية مزدوجة تجمع بين المهارات الميدانية والقدرات الإبداعية غير التقليدية، صناديق الاستثمار التي تتجاهل هذا البعد البشري في تخصيصاتها داخل السوق السعودية تخاطر بتفويت أحد أهم محركات النمو طويل الأجل”.
وأشار شقير، إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يتعارض مع تطوير المهارات المهنية، بل يزيد الحاجة إليها، حيث تتطلب مراكز البيانات والمصانع الذكية والبنية التحتية المتقدمة كوادر قادرة على التشغيل والصيانة والتكيف مع الظروف الواقعية.
وأوضح سامر شقير، أن الفرص الاستثمارية المقبلة ستشمل صناديق التعليم والتدريب المهني، والشركات التي تطور حلولًا لتعزيز إنتاجية العمالة الميدانية، والمنصات التي تربط أصحاب المهارات المتخصصة بالقطاعات ذات الطلب المرتفع.
وأكد شقير، أن قطاعات الطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية ستكون من أكثر القطاعات استفادة من هذا التحول، نظرًا لاعتمادها على مزيج من التكنولوجيا والخبرة البشرية.
وحذر سامر شقير من أن تأخر بعض الاقتصادات في إعادة تأهيل القوى العاملة قد يؤدي إلى اختناقات في الإنتاجية وارتفاع تكاليف تنفيذ المشاريع، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمالة المتخصصة.
وأشار شقير، إلى أن المستثمرين في أسواق الأسهم العالمية بدأوا بالفعل في التمييز بين الشركات التي تعتمد على البرمجيات فقط، وتلك التي تمتلك نماذج تشغيلية تجمع بين التكنولوجيا والتطبيقات الميدانية، موضحًا أن هذا الفرق سيكون عاملًا مهمًا في تقييم الشركات خلال السنوات المقبلة.
وأضاف شقير، أن الدول التي تستثمر مبكرًا في رأس المال البشري المهني ستكون أكثر قدرة على مواجهة التحولات الناتجة عن الأتمتة، وستمتلك ميزة تنافسية في جذب الاستثمارات طويلة الأجل.
واختتم رائد الاستثمار سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون قائمًا على استبدال الإنسان بالكامل، بل على إعادة توزيع الأدوار بين الآلة والقدرات البشرية، موضحًا أن المستثمرين الذين يفهمون حدود التكنولوجيا ونقاط القوة البشرية غير القابلة للاستبدال سيكونون الأكثر قدرة على بناء محافظ تحقق قيمة مستدامة، قائلًا: “النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون لمَن يمتلكون أفضل الخوارزميات فحسب، بل لمن يفهمون أين تتوقف قدرة الآلة ويبدأ الدور البشري غير القابل للاستبدال، تخصيص رأس المال وفق هذا الفهم يمثل اليوم أحد أهم مصادر العائد المستدام للمستثمرين المؤسسيين”.