أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ الارتفاعات الأخيرة في أسعار القمح والحبوب العالمية تعكس تحولًا أعمق في طريقة تسعير الأسواق للمخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد الغذائية، مشيرًا إلى أن التوترات الجيوسياسية في البحر الأسود، إلى جانب الضغوط المناخية على المحاصيل، تدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة تقييم تخصيص رأس المال في أسواق السلع الزراعية والأصول المرتبطة بالأمن الغذائي.
وأوضح سامر شقير، أن صعود العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو بنسبة تراكمية بلغت نحو 16% خلال يوليو 2026، إلى جانب ارتفاع أسعار الذرة إلى أعلى مستوياتها في أكثر من شهرين، يعكس دخول عوامل جديدة إلى معادلة العرض والطلب العالمية، في مقدمتها المخاطر المرتبطة بممرات التصدير الحيوية وتراجع توقعات الإنتاج في عدد من المناطق المنتجة الرئيسية.
وأشار سامر شقير، إلى أن المستثمرين المؤسسيين ينظرون إلى هذه التطورات باعتبارها إشارة مبكرة إلى إعادة تسعير مخاطر الإمدادات الغذائية العالمية، مع تداعيات مباشرة على التضخم الغذائي، واستراتيجيات التحوط، واتجاهات تدفق رأس المال نحو السلع الزراعية والتقنيات المرتبطة بزيادة كفاءة الإنتاج وتنويع مصادر الإمداد.
وقال سامر شقير: “الاضطرابات في ممرات التصدير الحيوية لم تعد أحداثًا مؤقتة، بل أصبحت جزءًا من هيكل التسعير طويل الأجل للسلع الغذائية الأساسية”.
وأضاف سامر شقير، أن أسواق الحبوب العالمية أصبحت أكثر حساسية للتداخل بين المخاطر الجيوسياسية والعوامل المناخية، خصوصًا في ظل الدور المحوري الذي تلعبه روسيا وأوكرانيا في تجارة القمح العالمية، حيث تمثل الدولتان معا ما بين 25% و30% من صادرات القمح العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الشحن عبر البحر الأسود عاملًا مؤثرًا على الأسعار العالمية.
وأوضح شقير، أن التوترات المستمرة في المنطقة أدت إلى زيادة المخاوف بشأن قدرة المصدرين الرئيسيين على الحفاظ على تدفقات الصادرات خلال موسم الحصاد، خصوصًا مع استمرار الهجمات المتبادلة على المواني والمستودعات والبنية التحتية المرتبطة بالنقل البحري.
وأشار سامر شقير، إلى أن القيود المفروضة على حركة السفن في بعض مناطق البحر الأسود، إلى جانب استمرار الضغوط على البنية التحتية الأوكرانية، زادت من حالة عدم اليقين في الأسواق، في وقت أظهرت فيه تقديرات المحاصيل تراجعًا في بعض المناطق المنتجة.
وأكد سامر شقير، أن تراجع توقعات إنتاج القمح الروسي لموسم 2026-2027، وانخفاض تقديرات صادرات القمح الروسية خلال يوليو إلى مستويات أقل بشكل واضح مقارنة بالعام السابق، يعكس تأثير العوامل اللوجستية والمخاطر التشغيلية على أحد أكبر مصادر الإمداد العالمية.
وأضاف شقير، أن الضغوط لم تقتصر على روسيا ومنطقة البحر الأسود، بل امتدت إلى أوروبا، حيث تراجعت توقعات إنتاج فرنسا من القمح اللين نتيجة تأثير موجات الحر على المحاصيل، كما شهدت توقعات جودة المحصول الأمريكي الربيعي تراجعًا، ما ساهم في دعم أسعار الذرة والحبوب الأخرى.
وأوضح شقير، أن هذه التطورات دفعت مؤشرات السلع الزراعية إلى مستويات مرتفعة، ورفعت احتمالات استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالغذاء، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية احتياجاتها الأساسية.
وأشار سامر شقير، إلى أن ارتفاع أسعار الحبوب يمثل عاملًا مهمًا في قرارات المستثمرين داخل أسواق الأسهم والدخل الثابت، حيث يمكن أن يؤثر على هوامش الشركات العاملة في قطاع الأغذية والمشروبات، كما قد يحد من مرونة بعض البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية، قائلًا: “المستثمرون المؤسسيون الذين يخصصون رأس المال بشكل استراتيجي نحو الأصول الحقيقية يجدون في تقلبات أسعار الحبوب فرصة لإعادة التوازن في المحافظ، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسية”.
وأوضح سامر شقير، أن ارتفاع أسعار القمح والذرة يدفع مديري الأصول إلى إعادة تقييم دور السلع الزراعية داخل المحافظ الاستثمارية، مشيرًا إلى أن صناديق السلع المتخصصة والصناديق المتداولة المرتبطة بالزراعة قد تشهد اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين الباحثين عن أدوات تحوط أمام مخاطر التضخم.
وأضاف شقير، أن شركات التكنولوجيا الزراعية والزراعة الذكية قد تصبح من المستفيدين على المدى الطويل، خصوصًا تلك التي تقدم حلولًا لرفع الإنتاجية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتقليل الاعتماد على المناطق الجغرافية ذات المخاطر المرتفعة.
وأشار شقير، إلى أن أسواق الأسهم قد تشهد إعادة توزيع للاهتمام بين المنتجين الزراعيين في المناطق المستقرة نسبيًّا، والشركات التي تواجه ضغوطًا نتيجة ارتفاع تكاليف المدخلات أو الاعتماد على سلاسل إمداد معرضة للتقلبات.
وأكد سامر شقير، أن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية قد يزيد الضغوط المالية على الدول المستوردة الصافية للسلع الزراعية، خاصة الأسواق الناشئة التي تواجه تحديات في الموازنات العامة وأسعار الصرف.
وفيما يتعلق بالاقتصاد الخليجي، أوضح سامر شقير أن ارتفاع أسعار القمح يحمل أهمية خاصة لدول مجلس التعاون، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، نظرا لاعتماد المنطقة على الواردات لتلبية جزء كبير من احتياجاتها الغذائية.
وأشار شقير، إلى أن هذه التطورات تعزز أهمية الاستثمارات المرتبطة بالأمن الغذائي ضمن رؤية 2030، سواء من خلال تطوير التقنيات الزراعية المتقدمة، أو تنويع مصادر الاستيراد، أو بناء مخزونات استراتيجية، أو الاستثمار في الشراكات الزراعية الدولية.
وقال سامر شقير: “التحول الحالي يعكس حاجة المستثمرين إلى دمج المخاطر المناخية والجيوسياسية بشكل أعمق في نماذج تخصيص رأس المال، بعيدًا عن الافتراضات التقليدية لاستقرار سلاسل الإمداد”.
وأضاف شقير، أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية العالمية قد يسرع من توجه الصناديق الاستثمارية والشركات الكبرى نحو مشاريع الزراعة العمودية، والتقنيات الزراعية الحديثة، والبنية التحتية المرتبطة بالتخزين والنقل، باعتبارها أدوات لتعزيز مرونة الأمن الغذائي.
وأوضح شقير، أن الفرص الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة قد تتركز في العقود الآجلة للحبوب، وصناديق السلع المتخصصة، والأسهم المرتبطة بالإنتاج الزراعي المستدام، إضافة إلى قطاعات الخدمات اللوجستية والتأمين البحري التي توفر حلولًا لإدارة المخاطر في ممرات الشحن الحساسة.
وأشار سامر شقير، إلى أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصًا في حال تحسن الظروف المناخية أو حدوث انفراجات سياسية تؤدي إلى تراجع سريع في الأسعار، مؤكدًا أن المستثمرين بحاجة إلى بناء استراتيجيات مرنة قادرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات.
وأوضح شقير، أن استمرار التوترات في البحر الأسود وتفاقم الضغوط المناخية قد يبقي أسعار الحبوب مدعومة خلال الربع الثالث من عام 2026، مع إمكانية امتداد التأثيرات إلى أسواق الذرة وفول الصويا، بينما قد يؤدي تحسن المحاصيل أو أي تطورات دبلوماسية إيجابية إلى عودة التركيز على أساسيات العرض والطلب.
وقال سامر شقير: “المستثمرون الذين يبنون استراتيجياتهم على أساس فهم عميق للترابط بين الجيوسياسة والمناخ وأسواق السلع سيكونون في وضع أفضل لإدارة التقلبات وتحقيق قيمة طويلة الأجل”.
واختتم سامر شقير تصريحاته بالتأكيد على أن التحولات الحالية في أسواق القمح والحبوب تمثل تذكيرًا بأهمية إعادة تقييم مخاطر سلاسل الإمداد الغذائية، وتوجيه رأس المال نحو الأصول والقطاعات القادرة على التكيف مع بيئة عالمية تتسم بمستويات أعلى من عدم اليقين الجيوسياسي والمناخي، مؤكدًا أن الأمن الغذائي أصبح عنصرًا استراتيجيًّا في قرارات الاستثمار العالمية، وأن المرحلة المقبلة ستشهد اهتمامًا أكبر بالمشاريع التي تجمع بين التكنولوجيا والاستدامة والقدرة على تعزيز مرونة الإمدادات الغذائية.