Contact Us
newsletter

سامر شقير: الضغط الاقتصادي على إيران يعيد تسعير مخاطر الطاقة

سامر شقير: الضغط الاقتصادي على إيران يعيد تسعير مخاطر الطاقة

أكد رائد الاستثمار سامر شقير، أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة على إيران خلال عام 2026 تعيد تسعير مخاطر الطاقة والجغرافيا السياسية في الأسواق العالمية، وتدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة النظر في توزيع رؤوس الأموال بين أسواق السلع والطاقة والبنية التحتية والأسواق الخليجية، موضحًا أن القراءة الاستثمارية لهذه التطورات لا تقوم على رهان سياسي بشأن تغيير النظام في طهران، وإنما على تآكل هيكلي في قدرة الاقتصاد الإيراني على توليد العملة الصعبة والحفاظ على مستويات مستقرة من الإنتاج والتصدير.

‎وأوضح شقير، أن الاقتصاد الإيراني يتجه خلال عام 2026 نحو انكماش حاد وتراجع سريع في القدرة الشرائية، بفعل تراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم وتراجع الصادرات النفطية تحت وطأة العقوبات والقيود المفروضة على التجارة والطاقة.

‎وأشار شقير، إلى أن هذه التطورات تتجاوز تأثيراتها حدود الاقتصاد الإيراني، إذ تعيد تسعير علاوة المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز وأسواق الطاقة، وتدعم أسعار النفط عند مستويات أعلى، كما تسرع إعادة توجيه التدفقات الاستثمارية نحو منتجي الطاقة الخليجيين الذين يتمتعون بقدرة أكبر على تنويع مسارات التصدير، إلى جانب الاقتصادات التي تمتلك برامج واضحة للتنويع الاقتصادي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

‎وقال سامر شقير: إن التدهور المتزامن في الصادرات النفطية وسعر الصرف والنشاط الصناعي الإيراني يفرض على مديري الأصول إعادة حساب تكلفة المخاطر الجيوسياسية ضمن محافظ الطاقة والأسواق الناشئة.

‎وأضاف شقير، أن الأمر لم يعد مجرد دورة عقوبات تقليدية، بل تحول إلى ضغط متزامن على مصادر النقد الأجنبي والإنتاج والواردات والثقة بالعملة، وهو ما يجعل الاقتصاد الإيراني يعمل بصورة متزايدة بمنطق البقاء وليس بمنطق النمو.

‎وتشير التقديرات إلى انكماش الناتج المحلي الحقيقي لإيران بنحو 5.4 في المئة خلال عام 2026، بالتزامن مع تضخم استهلاكي يقترب من 68.9 في المئة في المتوسط السنوي، وتعكس هذه الأرقام مزيجا من تراجع الإنتاج النفطي وتعطل جزء من الواردات الصناعية وتآكل الثقة بالريال، فيما أدى ضعف العملة إلى زيادة تكلفة الغذاء والدواء والسلع الوسيطة ورفع الضغوط على الاستهلاك الأسري.

‎وأوضح شقير، أن النفط لا يزال يمثل الشريان المالي الرئيسي للاقتصاد الإيراني، وأن انخفاض الإنتاج والصادرات عن مستويات ما قبل التصعيد يقلص تدفق العملة الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات الأساسية.

‎وأشار شقير، إلى أن فترات التخفيف المؤقت للقيود والعقوبات لم تتحول إلى استقرار اقتصادي طويل الأجل، إذ إن عودة القيود تعيد الضغط على الاحتياطيات وسعر الصرف وتزيد من صعوبة التخطيط المالي والاستثماري بالنسبة إلى الشركات والمؤسسات المرتبطة بالسوق الإيرانية.

‎وقال شقير: إن النتيجة الاستثمارية المباشرة لهذه التطورات تتمثل في ارتفاع تكلفة رأس المال بالنسبة إلى الجهات التي لديها ارتباط تجاري أو مالي بإيران، إلى جانب احتمال استمرار علاوة المخاطر في أسواق الطاقة حتى في حال تراجع حدة التوتر العسكري بصورة مؤقتة.

‎أسواق الطاقة وعلاوة المخاطر في مضيق هرمز

‎وأشار سامر شقير، إلى أن حركة أسواق الطاقة أصبحت أكثر ارتباطًا بالتطورات الجيوسياسية في منطقة الخليج، خصوصًا مع تراجع حركة الناقلات عبر مضيق هرمز مقارنة بالمعدلات التاريخية.

‎وأوضح شقير، أن خام برنت يتداول قرب 94 دولارا للبرميل، مرتفعا بنحو 30 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل التصعيد في فبراير 2026، مشيرا إلى أن الفارق بين خام برنت وغرب تكساس يعكس طبيعة الاضطراب الحالي، حيث أصبحت الإمدادات البحرية العالمية أكثر عرضة للمخاطر مقارنة بالإنتاج البري الأمريكي.

‎وأضاف شقير، أن انخفاض حركة الناقلات عبر المضيق يبقي الأسواق في حالة تسعير مستمر لاحتمال استمرار اضطراب الإمدادات لفترة أطول، حتى مع وجود مخزونات عائمة ومسارات بديلة جزئية.

‎ويرى شقير، أن مستويات الأسعار الحالية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد ذروة سعرية مرتبطة بدورة قصيرة، موضحا أن استمرار القيود على الصادرات الإيرانية يمكن أن يبقي النفط ضمن نطاق سعري أعلى من التوقعات السابقة في بيئة يتسم فيها النمو العالمي بالاعتدال.

‎وقال إن هذا الوضع يدعم إيرادات المنتجين الخليجيين، لكنه في المقابل يرفع تكلفة الطاقة بالنسبة إلى المستهلكين في الاقتصادات المتقدمة ويزيد مخاطر التضخم المستورد، الأمر الذي قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة بوتيرة سريعة.

‎وأكد شقير أن الأسواق لا تسعر تغييرا سياسيا فوريا في طهران بقدر ما تسعر تآكلا متعدد السنوات في القدرة التصديرية وعلاوة مستمرة مرتبطة بالمرور عبر مضيق هرمز.

‎وقال شقير: “الأسواق لا تسعر تغييرا سياسيا فوريا في طهران بقدر ما تسعر تآكلا متعدد السنوات في القدرة التصديرية وعلاوة دائمة على المرور عبر هرمز. هذا النوع من التسعير يعيد توجيه رأس المال نحو الولايات القضائية التي تستطيع تسليم البراميل دون ذلك الاختناق البحري”.

‎السعودية والخليج كمستفيد هيكلي

‎وأوضح شقير أن التطورات الحالية تعزز أهمية الاقتصادات الخليجية بالنسبة إلى المستثمرين الباحثين عن مزيج من التدفقات النقدية المرتبطة بالطاقة والنمو الهيكلي خارج القطاع النفطي.

‎وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية استعادت جزءا من إنتاجها بعد التراجع الحاد خلال الربيع، مسجلة ارتفاعا ملحوظا في يوليو مقارنة بشهر يونيو، مع بقاء الإنتاج دون الذروة السابقة للصراع.

‎وأكد أن الأهم بالنسبة إلى المستثمر طويل الأجل ليس الرقم الشهري للإنتاج وحده، وإنما قدرة المملكة على الجمع بين مرونة الإنتاج النفطي وتسريع نمو الاقتصاد غير النفطي.

‎وأوضح أن الأنشطة غير النفطية تساهم بنحو 55 إلى 56 في المئة من الناتج المحلي، في الوقت الذي يواصل فيه صندوق الاستثمارات العامة إعادة ضبط استراتيجيته للفترة من 2026 إلى 2030 نحو تحقيق القيمة وتعزيز العوائد وبناء منظومات محلية في الطاقة النظيفة واللوجستيات والسياحة والتصنيع المتقدم، بدلا من التركيز على التوسع السريع فقط.

‎وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط، حتى مع انخفاض الكميات بصورة مؤقتة، يمنح المالية العامة مساحة إضافية لتمويل برامج رؤية السعودية 2030 مع الحفاظ على قدر من الانضباط المالي، بينما تدفع اضطرابات مضيق هرمز إلى تسريع الاستثمار في مسارات تصدير بديلة والبنية التحتية اللوجستية.

‎وقال سامر شقير: “قدرة المملكة على رفع الإنتاج عند تشديد الجغرافيا السياسية، مع المضي في بناء منظومات غير نفطية عبر صندوق الاستثمارات العامة، هي بالضبط التفويض المزدوج الذي يبحث عنه المخصصون المؤسسيون في 2026: عائد دوري من الطاقة مع خيار نمو هيكلي خارج الدورة النفطية”.

‎وأوضح أن هذه المعادلة تمنح السعودية ودول الخليج ميزة نسبية في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية، إذ يمكن للمستثمر الحصول على تعرض لقطاع الطاقة وفي الوقت نفسه الاستفادة من مسار التنويع الاقتصادي والاستثمار في القطاعات غير النفطية.

‎اتجاهات المستثمرين وتخصيص رأس المال

‎وأشار شقير إلى أن صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول يتجهون في هذه البيئة إلى ثلاثة محاور رئيسية لتخصيص رأس المال.

‎المحور الأول يتمثل في التعرض المنضبط لمنتجي النفط الخليجيين الذين يتمتعون بميزانيات قوية ومسارات تصديرية متنوعة، مع تفضيل الشركات القادرة على تمويل التحول في الغاز والكهرباء والهيدروجين والطاقة النظيفة دون الاعتماد الكامل على سعر البرميل.

‎أما المحور الثاني فيتمثل في البنية التحتية واللوجستيات والتأمين البحري، حيث تزداد قيمة الأصول القادرة على التعامل مع اختناقات الممرات البحرية وتجاوز اضطرابات حركة التجارة والطاقة.

‎ويتمثل المحور الثالث في تقليل الانكشاف المباشر أو غير المباشر على الكيانات التي تعتمد على التجارة مع إيران أو على تسويات مالية يمكن أن تتعرض للعقوبات الثانوية أو القيود المصرفية.

‎وأوضح أن هذا الاتجاه لا يعني التخلي عن الأسواق المرتبطة بإيران بصورة كاملة، وإنما يعكس ارتفاع الحاجة إلى إدارة أكثر صرامة للمخاطر القانونية والسياسية والمالية المرتبطة بأي انكشاف على الاقتصاد الإيراني.

‎وفي سوق الدخل الثابت، يرى شقير أن السندات السيادية الخليجية قد تظل أكثر جاذبية نسبيا من الأصول عالية المخاطر المرتبطة بالأسواق الناشئة الهشة، مع ضرورة مراقبة التضخم العالمي ومسار أسعار الفائدة الأمريكية.

‎أما في أسواق الأسهم، فيتجه اهتمام المستثمرين إلى قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والبنوك المرتبطة بالإنفاق الرأسمالي الحكومي، مع زيادة الحذر تجاه التقييمات المرتفعة في القطاعات الاستهلاكية الأكثر حساسية لتكاليف الطاقة والنقل.

‎وحذر شقير من أن ضعف العملة الإيرانية يجب أن ينظر إليه باعتباره مؤشرا اقتصاديا يتجاوز تأثيره السوق المحلية.

‎وقال: “انهيار الريال مؤشر رائد على انكماش الواردات. هذا لا يبقى محصورا داخل الحدود؛ يظهر لاحقا في التجارة الإقليمية والتحويلات وفي تكلفة التمويل لأي كيان يحمل انكشافا إيرانيا، ولو غير مباشر”.

‎المخاطر والسيناريوهات المحتملة

‎ويرى شقير أن السيناريو الأساسي يفترض استمرار الضغط الاقتصادي على إيران مع بقاء التوتر العسكري ضمن مستويات متقلبة، وهو ما قد يبقي أسعار النفط مدعومة ويواصل الضغط على النمو الإيراني مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.

‎أما السيناريو التصعيدي فيتمثل في استمرار تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لفترة أطول أو توسيع نطاق العقوبات الثانوية على المشترين والجهات المتعاملة مع إيران، وهو ما قد يدفع خام برنت إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل وفقا لبعض التقديرات، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وزيادة الضغوط على النمو العالمي.

‎وفي المقابل، يمكن للسيناريو التفاوضي أن يفتح نافذة مؤقتة أمام عودة جزء من الصادرات الإيرانية إلى الأسواق، ما يؤدي إلى انخفاض علاوة المخاطر وتراجع أسعار النفط، إلا أن ذلك لن يلغي بالضرورة الأضرار التراكمية التي لحقت بالطاقة الإنتاجية والثقة بالعملة والاقتصاد الإيراني.

‎وأكد أن المخاطر على المحافظ الخليجية ليست في اتجاه واحد، فارتفاع أسعار النفط يدعم المالية العامة، لكن استمرار التوتر يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المشاريع الكبرى وتأجيل بعض الاستثمارات الأجنبية المباشرة الحساسة للمخاطر الجيوسياسية.

‎ولهذا السبب، يرى شقير أن الحوكمة والانتقائية في المشاريع والتركيز على العائد التشغيلي بدلا من الحجم وحده ستكون عناصر حاسمة في استراتيجية المستثمرين والمؤسسات الخليجية خلال المرحلة المقبلة.

‎الآفاق الاستراتيجية

‎أكد سامر شقير أن ملف إيران لن يحسم في ربع مالي واحد، وأن ما يهم أسواق رأس المال هو التحول التدريجي في طبيعة الاقتصاد الإيراني من لاعب نفطي قادر على ضبط الإمدادات إلى مصدر مزمن للاضطراب في تسعير المخاطر.

‎وأوضح أن هذا التحول يمنح الاقتصاد السعودي والاقتصادات الخليجية وزنا أكبر في محافظ المؤسسات التي تبحث عن مزيج من الأمان النسبي والعائد المرتبط بالطاقة وفرص النمو غير النفطي.

‎وأضاف أن الاستثمار المؤسسي في عام 2026 لن يكافئ الرهان العاطفي على نهاية سريعة للأزمة، وإنما سيكافئ الانضباط في تخصيص رأس المال، مع زيادة وزن الأصول القادرة على توليد تدفقات نقدية في بيئة نفط أعلى، وانكشاف محسوب على التحول الصناعي والرقمي واللوجستي في إطار رؤية السعودية 2030.

‎وأكد أن إدارة أي ارتباط بسلاسل إمداد أو ترتيبات مالية يمكن أن تعيد العقوبات رسمها بصورة مفاجئة ستصبح جزءا أساسيا من قرارات الاستثمار.

‎وقال سامر شقير: “الاستثمار المؤسسي في 2026 لن يكافئ الرهان العاطفي على نهاية سريعة للأزمة، بل سيكافئ الانضباط في تخصيص رأس المال: وزن أعلى للأصول القادرة على توليد تدفقات نقدية في بيئة نفط أعلى، وانكشاف محسوب على التحول الصناعي والرقمي واللوجستي في إطار رؤية 2030، وإدارة صارمة لأي ارتباط بسلاسل قد تعيد العقوبات رسمها بين عشية وضحاها”.

‎واختتم شقير بالتأكيد على أن التطورات الإيرانية الحالية تمثل، من منظور أسواق رأس المال، إعادة تسعير هيكلية لمخاطر الطاقة في العقد الحالي، وليست مجرد أزمة سياسية أو عسكرية عابرة.

‎وأوضح أن رأس المال العالمي سيواصل البحث عن الأسواق التي تمتلك قدرة على مواجهة اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد، وتوليد تدفقات نقدية مستقرة، والاستفادة في الوقت نفسه من فرص النمو طويلة الأجل.

‎وأشار إلى أن السعودية والخليج يمتلكان في هذا السياق فرصة لتعزيز موقعهما في المحافظ المؤسسية العالمية، من خلال الجمع بين قوة قطاع الطاقة وتسارع التنويع الاقتصادي والاستثمار في البنية التحتية والصناعة واللوجستيات والطاقة النظيفة والتكنولوجيا، بما يجعل رؤية 2030 جزءا من المعادلة الاستثمارية الجديدة التي تتشكل مع إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.