قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن حرب إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، لم تنتج السيناريو الذي راهنت عليه بعض الأسواق في البداية، والمتمثل في عودة طويلة الأمد للوقود الأحفوري واستقرار برنت عند مستويات ثلاثية الرقم وتأجيل مشاريع الطاقة المتجددة.
وأوضح شقير، أن مستوردي الوقود الأحفوري تكبدوا أكثر من 330 مليار دولار كتكاليف إضافية خلال ستة أشهر، بينما بلغ برنت ذروة قاربت 126 دولارًا في أواخر أبريل قبل تراجعه إلى نحو 88–90 دولارًا، مضيفًا أن الحرب أعادت تسعير أمن الطاقة وتكلفة رأس المال معًا، بدلًا من إعادة النفط إلى مركز دورة الاستثمار.
النفط لم يعد الرهان الوحيد
أشار سامر شقير، إلى أن نحو 8.3 ملايين برميل يوميًّا من إنتاج الخليج ظل متوقفًا في يوليو، بينما فقدت المخزونات المرصودة نحو 410 ملايين برميل منذ بداية الحرب، في وقت توقعت فيه وكالة الطاقة الدولية انكماش الطلب العالمي على النفط بنحو 1.6 مليون برميل يوميًّا خلال 2026.
وقال شقير: إن هذه المعادلة نقلت السوق من تسعير «ذعر النقص» إلى تسعير استنزاف ممتد، مؤكدًا أن ارتفاع كلفة الوقود دفع الحكومات والشركات إلى البحث عن مصادر يمكن تشغيلها محليًّا بسرعة، مثل الطاقة الشمسية والتخزين والمركبات الكهربائية وكفاءة الاستخدام.
فائض التقنيات النظيفة يتحول إلى فرصة
قال سامر شقير: إن الحرب تزامنت مع فائض قدرة صينية في تقنيات الطاقة النظيفة، إذ سجلت الصين خمسة أشهر متتالية من صادرات قياسية لهذه التقنيات بالقيمة الدولارية منذ اندلاع الحرب، وفق BloombergNEF.
وأضاف شقير أن شركات السيارات الصينية صدرت في يوليو أكثر من 500 ألف مركبة كهربائية وهجينة قابلة للشحن، بزيادة تقارب 150% سنويًّا، بينما ارتفعت واردات أفريقيا من معدات الطاقة الشمسية الصينية 37% في النصف الأول من 2026.
ولفت إلى أن الصورة لم تكن أحادية الاتجاه، إذ ارتفع توليد الفحم في اقتصادات آسيوية مستوردة، رغم توقع وكالة الطاقة الدولية نمو الكهرباء المتجددة 8.5% هذا العام مقابل 1.4% للفحم، مشيرًا إلى تقدير Climate Trace بارتفاع الانبعاثات بنحو 0.2% في النصف الأول.
الفيدرالي يعيد تسعير تكلفة رأس المال
وأوضح سامر شقير، أن المتغير الذي أعاد تشكيل حسابات المستثمرين لم يكن النفط فقط، بل معدل الخصم أيضًا.
وقال شقير: إن رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش أكد في جاكسون هول يوم 28 أغسطس ضرورة التأكد من اتجاه التضخم الأساسي نحو هدف 2% بسرعة كافية، بينما بلغ مقياس نفقات الاستهلاك الشخصي 3.7% سنويًّا و4.1% على أساس سنوي لنصف عام، بعد 65 شهرًا فوق الهدف.
وأضاف أن الأسواق رفعت احتمال زيادة الفائدة في سبتمبر إلى نحو 60% من نطاق 35%–40%، مع بقاء الفائدة بين 3.50% و3.75%، ما جعل الأسهم والسندات والذهب والدولار تتحرك وفق مزيج من صدمة الطاقة واحتمالات التشديد النقدي.
وقال شقير: «إن الأسواق تعاقب الغموض أسرع مما تعاقب السعر المرتفع»، موضحًا أن ارتفاع معدل الخصم يضغط تقييمات مشاريع التحول، لكنه لا يلغي الطلب على الأصول التي تخفض فاتورة الوقود المستورد.
السعودية تعيد ترتيب استثمارات الطاقة
قال سامر شقير: إن الحرب لم تُلغِ أهداف التنويع السعودية، لكنها رفعت كلفة التنفيذ وأعادت ترتيب الأولويات، مشيرًا إلى أن المملكة تحتاج إلى إضافة أكثر من 20 غيغاواط سنويًّا للاقتراب من نحو 130 غيغاواط بحلول 2030، مقابل قدرة مركبة بلغت نحو 12.3 غيغاواط العام الماضي.
وأضاف شقير، أن ترسية الشركة السعودية لشراء الطاقة اتفاقات تخزين بطاريات بقدرة 2 غيغاواط/8 غيغاواط ساعة واستثمارات 1.16 مليار دولار تمثل المرحلة الأولى من برنامج يستهدف 48 غيغاواط ساعة بحلول 2030، مشيرًا إلى إغلاق تحالف أكوا باور وبديل التابعة لصندوق الاستثمارات العامة وSAPCO التابعة لأرامكو تمويلًا بقيمة 8.2 مليارات دولار لمحفظة شمس ورياح بقدرة 15 غيغاواط.
أمن الطاقة يتحول إلى أصل استثماري
أكد سامر شقير، أن ارتفاع كلفة الوقود يعزز اقتصاديًّا قيمة الكهرباء المحلية المتجددة، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة الدين ويطيل جداول التنفيذ.
وقال شقير: إن الفرصة الخليجية تكمن في التخزين، والشبكات، والنقل، والتصدير عبر البحر الأحمر، وقدرات التصنيع والتشغيل المحلية، وليس في إعلانات القدرة وحدها.
وأضاف أن الصناديق التي تتعامل مع التحول باعتباره ملفًا بيئيًّا فقط ستخطئ التسعير، بينما ستبحث المؤسسات التي تنظر إليه باعتباره بنية تحتية للأمن الاقتصادي عن شركاء يملكون تمويلًا طويل الأجل وقدرة تنفيذ.
رأس المال يبحث عن ثلاثة مسارات
أوضح سامر شقير أن التدفقات تتجه إلى ثلاثة مسارات: شركات التقنيات النظيفة والبطاريات والمركبات الكهربائية، والطاقة التقليدية خارج نقاط الخطر المباشر، وأدوات الدخل الثابت عالية الجودة والنقد والدولار إذا تأكد مسار رفع الفائدة.
وأشار شقير إلى أن منتجي الخليج واجهوا في المقابل أضرارًا في المنشآت وفاقد تصدير قُدّر في مارس بنحو ملياري دولار يوميًا وفق تقديرات مبكرة، بينما قدرت Rystad Energy تكلفة إعادة تأهيل البنية التحتية بما يصل إلى 58 مليار دولار.
مخاطر الأسواق الناشئة تدخل المعادلة
لفت سامر شقير إلى أن أزمة الطاقة تتقاطع مع مخاطر الامتثال في الأسواق الناشئة، مشيرًا إلى ارتفاع أرباح 13 بنكًا مصريًّا مدرجًا 20% إلى 97.06 مليار جنيه في النصف الأول من 2026.
وأضاف شقير أن المقترح الأمريكي بشأن فروع بنك مصر في الإمارات، والمتعلق بمعاملات بلغت نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات بين يناير 2024 ويونيو 2026، أعاد التأكيد على أن ارتفاع الربحية لا يلغي مخاطر الحوكمة والامتثال عبر الحدود.
السيناريو المقبل.. نفط أقل احتكارًا لرأس المال
قال سامر شقير: إن السيناريو الأساسي يتمثل في استمرار سعر نفط مرتفع بما يكفي لدعم الإحلال، ومنخفض بما لا يكفي لإطلاق دورة استثمار أحفوري عالمية واسعة، مع استمرار تدفق رأس المال إلى الكهرباء النظيفة والتقنيات القابلة للتصدير.
وأضاف شقير أن فتح ممر هرمز بصورة أكثر انتظامًا قد يخفض علاوة النفط سريعًا، لكن السلوك الاستثماري الذي تشكل خلال ستة أشهر لن يتغير بالسرعة نفسها.
أما السيناريو الأكثر خطورة، بحسب شقير، فيتمثل في اتساع المواجهة أو تعمق الحصار، بما قد يرفع أسعار المشتقات ويغذي التضخم ويدفع الفيدرالي إلى تشديد أكبر، فتتراجع مضاعفات الأصول طويلة الأجل وتتقدم السيولة والدولار والدين عالي التصنيف.
النظرة الاستراتيجية
اختتم سامر شقير بأن «الحرب جعلت أمن الطاقة والتحول الطاقي ملفًا واحدًا»، موضحًا أن المحفظة الأكثر انضباطًا في 2026 يجب أن تجمع بين أصول كهرباء وشبكات ذات تدفقات طويلة الأجل، وطاقة تقليدية مرنة خارج نقاط الاختناق، وأصول سيولة تحمي المحفظة من اجتماع صدمة هرمز مع رفع الفائدة الأمريكية.
وأكد شقير أن «رأس المال سيكافئ من يحوّل أمن الطاقة إلى نموذج تشغيل، لا مَن يحوّله إلى سردية»، مشيرًا إلى أن معركة 2026 لن تكون حول عودة النفط إلى مركز المشهد، بل حول قدرة المستثمرين على إعادة ترتيب خريطة الطاقة ورأس المال معًا، وفق جودة التنفيذ وتكلفة التمويل ومتانة سلاسل الإمداد.