قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن صعود مشاركة المرأة في سوق العمل الخليجي تحوّل من ملف اجتماعي إلى متغير اقتصادي يدخل بصورة متزايدة في حسابات الإنتاجية وتخصيص رأس المال، مشيرًا إلى أن تقرير «الفجوة العالمية بين الجنسين 2026» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أظهر إغلاق العالم 69.2% من الفجوة، بزيادة 0.4 نقطة خلال عام، فيما لا تزال المساواة الكاملة على مسار يقارب 120 عامًا.
وأضاف شقير أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أغلق 62.5% من فجوة النوع الاجتماعي، بزيادة 0.2 نقطة، ليبقى في المرتبة الثامنة بين المناطق، بينما بلغت المشاركة الاقتصادية 44.8%، مقابل 97.8% في التعليم و11.5% في التمكين السياسي.
فجوة التعليم وسوق العمل
وأوضح سامر شقير أن تمثيل النساء في الوظائف المهنية والتقنية بالمنطقة ارتفع 14.9 نقطة مئوية منذ 2006، كما زاد تمثيلهن بين المشرعين وكبار المسؤولين والمديرين 6.2 نقطة، لكن مكافئ المشاركة في القوى العاملة تراجع من 38.5% عام 2006 إلى 32.2% في 2026.
وقال شقير: إن المفارقة تكمن في أن المنطقة تخرّج نساء أكثر تأهيلًا، لكنها لا توظفهن بالوتيرة نفسها ولا ترفعهّن بالسرعة ذاتها إلى مواقع القرار، مشيرًا إلى أن الوتيرة الحالية قد تعني حاجة المنطقة إلى نحو 182 عامًا لإغلاق الفجوة المتبقية.
السعودية تسرّع إعادة تشكيل سوق العمل
وأشار سامر شقير، إلى أن السعودية سجلت أسرع متوسط تحسن سنوي بين الاقتصادات مرتفعة الدخل منذ 2006، إذ ارتفعت مشاركة السعوديات من نحو 17% قبل الإصلاحات المرتبطة برؤية 2030 إلى قرابة 34%، وبلغت 33.9% في الربع الأول من 2026، مع تراجع البطالة إلى 9%، متجاوزة هدف الرؤية البالغ 30%.
وأضاف أن السؤال الاستثماري لم يعد ما إذا كانت المرأة تدخل سوق العمل، وإنما نوع الوظائف التي تشغلها، ومستوى الأجور، وقدرتها على الوصول إلى الإدارة العليا.
وأوضح شقير أن الإصلاحات منذ 2017، من توسيع حرية التنقل والعمل إلى فتح قطاعات جديدة أمام النساء، تزامنت مع قفزة وصفت بأنها من الأسرع بين الاقتصادات الكبرى، فيما ربطت دراسات لاحقة الحزمة الإصلاحية بزيادة تقارب 9 نقاط مئوية في المشاركة مقارنة بسيناريو مضاد، ودخول أكثر من مليون امرأة إلى سوق العمل.
من المشاركة إلى الإنتاجية
وقال سامر شقير: إن صندوق النقد الدولي قدّر أن تقليص فجوات النوع الاجتماعي يمكن أن يرفع نمو نصيب الفرد من الناتج في السعودية بنحو 1.6 نقطة مئوية، بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى إمكان رفع نصيب الفرد في بعض اقتصادات المنطقة بنسبة تتراوح بين 20% و30%.
وأضاف أن هذه الفروق لا تتوقف عند المؤشرات الاجتماعية، بل يمكن أن تنعكس على عوائد السندات السيادية، وربحية البنوك، وشركات التجزئة والرعاية الصحية والتعليم والعقار.
وأكد شقير أن المستثمر المؤسسي لا يشتري «تمكين المرأة» كموضوع استثماري مستقل، بل يراقب ثلاثة متغيرات: حجم القوة العاملة، وتكوين المهارات، وكفاءة توزيع المواهب داخل الشركات، لافتًا إلى ارتباط توسع المشاركة النسائية بنمو الخدمات والتجزئة والرعاية الصحية والتعليم والسياحة والتقنية المالية.
الاختناق ينتقل إلى مقعد القرار
ولفت سامر شقير إلى أن التحدي العالمي لم يعد دخول المرأة إلى السوق فقط، بل انتقالها إلى الإدارة العليا، فقد بقيت حصة النساء في الإدارة العليا دون 30% منذ 2024، بينما تراجعت حصتهن من التعيينات الجديدة في هذه المناصب من 34.8% عام 2022 إلى 32.3% في النصف الأول من 2026، وبلغت حصة الرئيسات التنفيذيات 19.1%.
وأشار شقير إلى أن النساء يشكلنَّ أقل من خُمس مهندسي الذكاء الاصطناعي، مع تمركز أكبر في وظائف توصيف البيانات، محذرًا من أن استمرار هذا التوزيع قد يعيد إنتاج فجوة الأجور والفرص مع توسع استثمارات الخليج في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
المخاطر والفرص أمام رأس المال
وقال سامر شقير: إن المخاطر الرئيسية تتمثل في توقف نمو المشاركة، واتساع فجوة القيادة، واستمرار فجوة التقنية، إضافة إلى ضعف القياس، بينما تشمل الفرص الشركات التي تبني مسارات ترقية حقيقية، والاستثمار في الرعاية والتعليم والإسكان القريب من مراكز العمل والمنصات الرقمية للتوظيف، إلى جانب رأس المال الجريء والخاص الموجه إلى شركات تقودها نساء في التقنية المالية والصحة والتعليم.
وأضاف شقير أن أدوات الدخل الثابت السعودية قد تستفيد أيضًا إذا واصل تعميق سوق العمل دعم نمو غير نفطي أكثر استقرارًا، فيما تظل قطاعات المصارف والتأمين والرعاية الصحية والتعليم والسياحة والعقار والتقنية الأكثر ارتباطًا بهذا التحول.
رأس المال يراقب مسار المشاركة
واختتم سامر شقير بأن «تخصيص رأس المال في 2026 لن يكافئ السردية، بل المسار من المشاركة إلى الإنتاجية»، موضحًا أن المستثمرين سيحتاجون إلى متابعة مشاركة السعوديات، واستمرار انخفاض البطالة، وحصة النساء من الوظائف المهنية والتقنية والإدارة التنفيذية، وتمثيلهن في مسارات الذكاء الاصطناعي والتقنية.
وقال شقير: إن تحرك هذه المؤشرات معًا سيعني انتقال التحول من مجرد توسع في المشاركة إلى مصدر محتمل للإنتاجية والنمو غير النفطي، بينما تحرك المشاركة وحدها قد يبقي الإنجاز اجتماعيًّا من دون أن يتحول بالضرورة إلى علاوة نمو مستدامة.