تحولات السياسة التجارية الأمريكية وتأثيرها على تدفقات رأس المال في النظام الاقتصادي العالمي
أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ التحولات الأخيرة في السياسة التجارية الأمريكية لا تُمثِّل مجرد تطور قانوني عابر، بل تعكس انتقالًا هيكليًّا من “حروب الرسوم” إلى ما يمكن وصفه بـ”حرب التدفقات”، حيث تصبح حركة رؤوس الأموال العالمية أكثر حساسية لعامل اليقين من أي وقت مضى، وهو ما يعكس تحولات مهمة في النظام الاقتصادي العالمي.
وأوضح شقير، أنَّ جلسة الثلاثاء 24 فبراير 2026 عكست مفارقة مهمة؛ إذ ارتدت مؤشرات وول ستريت بعد موجة هلع سابقة، في وقت لم يتحقق فيه وضوح فعلي في ملف الرسوم، فبدلًا من إغلاق الملف، انتقل المشهد إلى فرض رسوم مؤقتة بنسبة 10% بموجب Section 122 لمدة 150 يومًا، مع عمل جارٍ لرفعها إلى 15% دون جدول زمني حاسم، مؤكدًا أن هذا يعيد تشكيل ديناميكيات النظام الاقتصادي العالمي.
وأضاف رائد الاستثمار: “الأسواق لا تتفاعل مع رقم التعرفة فقط، بل مع درجة ثبات القواعد، عندما تصبح الأداة التجارية متحركة قانونيًّا وزمنيًّا، فإن ما يُفرض فعليًّا هو ضريبة على اليقين”، وهو ما يؤثر مباشرة على النظام الاقتصادي العالمي.
إعادة تسعير الإيقاع لا الوجهة
أشار سامر شقير إلى أنَّ تراجع مؤشر التقلبات الأمريكية (VIX) إلى مستويات تقارب 19.5، وانخفاض الذهب بعد موجة صعود حادة، يعكسان إعادة تسعير قصيرة الأجل للمخاطر، وليس تغييرًا في وجهة التدفقات طويلة الأجل، وهو ما ينعكس على النظام الاقتصادي العالمي.
وقال: “انخفاض التقلب ليوم واحد يعني أن السوق أعادت تسعير الإيقاع، لكنها لم تُغيِّر وجهتها الأساسية تجاه المخاطر السياسية”، مؤكدًا على تأثير ذلك على مكونات النظام الاقتصادي العالمي.
ذاكرة 2018–2019 تعود إلى الواجهة
استعاد شقير تجربة 2018–2019، حين غيَّرت حرب الرسوم خريطة شهية المخاطرة عالميًّا، ورفعت كلفة رأس المال في الأسواق الحساسة للدولار والتجارة، مما أعاد رسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي.
وأوضح شقير أنَّ الدرس الذي يتذكره مديرو الأصول اليوم هو أن التدفقات المالية تتحرك قبل الأرباح، وأن السياسة عندما تدخل إلى التجارة تُعيد تشكيل المحافظ الاستثمارية سريعًا، مؤثرًا على النظام الاقتصادي العالمي.
من اضطراب العناوين إلى إعادة توجيه التدفقات
بحسب شقير، فإن البيئة الحالية تدفع الشركات العالمية إلى تنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز المخزون الاحتياطي، وتوقيع عقود توريد طويلة الأجل وأكثر تحفظًا، وهذا التحوُّل يفتح المجال أمام مناطق قادرة على تقديم مزيج من الاستقرار التشريعي، والطاقة، والبنية اللوجستية، والتمويل، وهو ما يعكس اتجاهات مهمة داخل النظام الاقتصادي العالمي.
وأكد شقير، أنَّ الخليج، وفي مقدمته السعودية عبر رؤية 2030، يقف في موقع متقدم للاستفادة من هذا التحول ضمن النظام الاقتصادي العالمي.
وأضاف: “رؤية 2030 لم تعد قصة إنفاق حكومي، بل قصة بناء قطاعات إنتاجية في السياحة، والصناعة، واللوجستيات، والبيانات، والطاقة، في بيئة تجارة عالمية متحركة، تصبح هذه القطاعات مصدَّات صدمات تجذب التدفقات الباحثة عن الاستقرار النسبي”، مؤكدًا دورها في إعادة رسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي.
تأثير محتمل على تدفقات الأجانب والسندات الخليجية
يرى شقير، أنَّ ارتفاع “ضريبة اللايقين” عالميًّا يُعزز جاذبية الأسواق التي تمتلك قصة نمو داخلي مستقلة نسبيًّا عن تقلبات القرار التجاري الأمريكي، وفي هذا السياق، قد تستفيد السوق السعودية من إعادة توزيع التدفقات، خاصةً نحو القطاعات المرتبطة بالتنويع الاقتصادي، وهو انعكاس مباشر لتفاعلات النظام الاقتصادي العالمي.
أما على صعيد الديون السيادية الخليجية، فأوضح شقير أنَّ المشهد الحالي يعكس صدمة سياسة أكثر من كونه أزمة ائتمان، وإذا بقيت فروق العائد مستقرة نسبيًّا، فقد تتجه المؤسسات الاستثمارية إلى زيادة مخصصاتها في أدوات دين توفر عائدًا مستقرًا في بيئة عالمية متقلبة، مؤثرًا على مكونات النظام الاقتصادي العالمي.
واختتم شقير تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة الحالية لا تُكافئ مَن يتنبأ بالعنوان التالي، بل مَن يمتلك اقتصادًا يبني قطاعات قابلة للقياس ويعزز عمق أسواقه المالية، وهو ما يضع السعودية في موقع قوي ضمن النظام الاقتصادي العالمي.
وقال: “عندما تتحوَّل قواعد التجارة إلى أدوات متحركة، تصبح الوجهات الاستثمارية الواضحة والثابتة هي الرابح الأكبر، وفي هذا السياق، قد تتحوَّل ضبابية واشنطن إلى فرصة استراتيجية لرؤية 2030″، مؤكدًا أن ذلك يعكس ديناميكيات النظام الاقتصادي العالمي.
