قال سامر شقير: إنَّ عالم الاقتصاد الحديث يُثبت مرة أخرى أنَّ كلمة واحدة أو قرارًا سياسيًّا قد يهز الأسواق العالمية في لحظات.
وأوضح شقير، أنَّ اجتماعًا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني تحوَّل خلال دقائق إلى أزمة اقتصادية حقيقية، حيث اختفت نحو 420 ألف وظيفة أمريكية مرتبطة بالتجارة مع كندا، وتراجعت عقود التصنيع الأمريكية بنسبة 9.3%، بينما ارتفعت أسعار الوقود في بعض الولايات إلى ما يقارب 8 دولارات للغالون.
وأضاف شقير، أنَّ هذه التطورات ليست مجرد حدث سياسي عابر، بل تمثل لحظة اقتصادية حساسة قد تؤثر على مستقبل العلاقات الأمريكية-الكندية وعلى استقرار الاقتصاد العالمي، خاصةً في ظل الترابط العميق بين سلاسل الإمداد والتجارة بين البلدين.
كيف بدأ الصراع؟.. اجتماع روتيني يتحوَّل إلى انفجار اقتصادي
وأشار سامر شقير، إلى أنَّ الأزمة بدأت خلال اجتماع كان يفترض أن يناقش قضايا التعاون داخل حلف الناتو إضافة إلى ملفات التجارة بين الولايات المتحدة وكندا، ووفق تقارير إعلامية ووثائق مسربة، وصل ترامب متأخرًا بنحو 14 دقيقة إلى الاجتماع، حاملًا ما وصفه البعض بـ”مذكرة فدية”، طالب فيها كندا بدفع ما سماه “حماية مالية” مقابل استمرار الدعم الأمريكي داخل الحلف.
وأوضح شقير، أنَّ ترامب برَّر طلبه بأن كندا لا تدفع حصتها العادلة من التزامات الناتو، إلا أنَّ رد كارني جاء سريعًا وحاسمًا، فبعد نحو ثلاثين ثانية فقط من النظر في الطلب، وقف رئيس الوزراء الكندي وقال إن كندا لا تدفع أموال حماية، ثم غادر الاجتماع.
وأكَّد شقير، أنَّ تداعيات هذه اللحظة كانت فورية تقريبًا، ففي غضون ثماني دقائق فقط بدأت الأسواق تعكس الصدمة، حيث تأثرت سلاسل التجارة المرتبطة بالصناعة الأمريكية، خاصةً في قطاعي السيارات والتصنيع، بينما ارتفع الدولار الكندي وتراجعت عقود التصنيع الأمريكية بنسبة 9.3% خلال إحدى عشرة دقيقة فقط.
التأثيرات الاقتصادية الفورية
وأوضح سامر شقير، أنَّ التأثير الاقتصادي كان سريعًا ومباشرًا، إذ فقدت الولايات المتحدة نحو 420 ألف وظيفة مرتبطة بالتجارة مع كندا، خصوصًا في ولايات صناعية مثل ميشيغان وأوهايو.
كما حذر محللو الطاقة من احتمال ارتفاع أسعار الوقود إلى نحو 8 دولارات للغالون في ولايات مثل ويسكونسن، نتيجة اعتماد الولايات المتحدة الكبير على واردات النفط الكندي.
وأشار شقير، إلى أنَّ هذه الحادثة تعد سابقة نادرة، إذ لم يحدث منذ نحو 47 عامًا أن غادر رئيس وزراء كندي اجتماعًا مع رئيس أمريكي بهذه الطريقة، ما يجعل هذه اللحظة حدثًا تاريخيًّا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
مَن هو مارك كارني؟.. المصرفي المركزي الذي أصبح رئيس وزراء
قال سامر شقير: إنَّ شخصية كارني لعبت دورًا محوريًّا في هذه المواجهة، فكارني ليس سياسيًّا تقليديًّا، بل اقتصادي ومصرفي مركزي سابق يتمتع بخبرة واسعة في إدارة الأزمات، فقد ولد عام 1965 في كندا، ودرس الاقتصاد في جامعة هارفارد قبل أن يحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة أوكسفورد.
وأضاف شقير، أنَّ كارني عمل في بداية مسيرته المهنية في Goldman Sachs قبل أن ينتقل إلى الخدمة العامة، وفي عام 2008 أصبح حاكمًا لبنك كندا حيث قاد الاقتصاد الكندي خلال الأزمة المالية العالمية، محافظًا على الاستقرار الاقتصادي والوظائف.
وأوضح شقير، أنَّ كارني أصبح لاحقًا أول غير بريطاني يتولى قيادة بنك إنجلترا بين عامي 2013 و2020، حيث ساهم في استقرار الاقتصاد البريطاني خلال فترة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي عام 2020 تم تعيينه مبعوثًا خاصًا للأمم المتحدة للعمل المناخي والتمويل، قبل أن يدخل السياسة الكندية ويصبح في 2025 رئيسًا لحزب الليبراليين ورئيس الوزراء الرابع والعشرين لكندا.
وأكد شقير، أنَّ خلفية كارني الاقتصادية تجعله يفكر بلغة الأرقام والرافعة المالية أكثر من الحسابات السياسية التقليدية، وهو ما جعله خصماً صعباً في مواجهة ترامب.
عندما تنقلب فلسفة “فن الصفقة” على صاحبها
أوضح سامر شقير، أنَّ ما حدث يعكس مفارقة لافتة في عالم التفاوض، ففي كتابه الشهير فن التفاوض» «The Art of the Deal يشرح ترامب فلسفته التفاوضية القائمة على رفع سقف المطالب، وممارسة الضغط المستمر لتحقيق مكاسب أكبر.
وأشار رائد الاستثمار، إلى أنَّ كارني استخدم هذه الفلسفة ضد صاحبها، فبدلًا من الاستجابة للضغط، اعتمد على فهم عميق للرافعة الاقتصادية بين البلدين، خاصة اعتماد الولايات المتحدة على الطاقة الكندية التي يصدر نحو 75% منها إلى السوق الأمريكية، هذا القرار السريع بالانسحاب من التفاوض قلب ميزان القوة وأدى إلى خسائر فورية في السوق الأمريكية.
سيناريوهات الاقتصاد بعد الأزمة
قال سامر شقير: إنَّ التداعيات الاقتصادية لهذه الأزمة قد تتطور وفق عدة سيناريوهات محتملة، السيناريو الأول يتمثل في ضغط الشركات الأمريكية على الإدارة الأمريكية للتراجع عن التصعيد، وهو السيناريو الأكثر احتمالًا، أما السيناريو الثاني فهو استمرار التصعيد السياسي، ما قد يؤدي إلى دخول الاقتصاد الأمريكي في ركود بحلول سبتمبر، أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في إعادة توجيه كندا تجارتها بعيدًا عن الولايات المتحدة نحو أوروبا وآسيا، ما قد يعيد تشكيل التحالفات الاقتصادية العالمية.
وأضاف شقير، أنَّ الأسواق المالية سجلت تراجعًا أوليًّا بنحو 1.2% قبل أن تعوض جزءًا من خسائرها لاحقًا، إلا أن حالة عدم اليقين لا تزال مسيطرة على المستثمرين.
نزاعات سابقة بين واشنطن وأوتاوا
وأشار شقير، إلى أن التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا ليست جديدة، ففي عام 2018 فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية على الصلب والألمنيوم الكندي، ما دفع كندا للرد برسوم مماثلة على المنتجات الأمريكية قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق United States–Mexico–Canada Agreement.
كما لفت شقير، إلى نزاع الخشب اللين الذي استمر لعقود، إضافة إلى ما عُرف تاريخيًّا بـ”حرب الدجاج” في الستينيات، والتي تضمنت رسومًا جمركية أثرت على التجارة بين أمريكا وكندا وأوروبا، هذه النزاعات انتهت غالبًا عبر التفاوض، لكنها تركت آثارًا اقتصادية طويلة الأمد.
الاقتصاد بين السياسة والقرارات البشرية
اختتم رائد الاستثمار سامر شقير تحليله بالتأكيد على أنَّ هذه الأزمة تذكرنا بأن الاقتصاد العالمي لا تحركه الأرقام فقط، بل القرارات السياسية أيضًا.
وأوضح أن استمرار الصمت من اتحاد عمال السيارات في الولايات المتحدة يزيد من حالة عدم اليقين، بينما تدفع كل ساعة تمر الأسواق نحو سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
وأضاف شقير، أنَّ السؤال الرئيسي الآن هو ما إذا كانت واشنطن ستتراجع عن التصعيد أم أن العالم يتجه نحو موجة تباطؤ اقتصادي جديدة، ومع ذلك، يرى شقير أن مثل هذه الأزمات قد تفتح أيضًا الباب لإعادة بناء علاقات اقتصادية أكثر توازنًا واستقرارًا في المستقبل.
