أزمة مضيق هرمز

سامر شقير يكتب.. لماذا نصح جون بوجل المستثمرين بعدم فعل أي شيء؟

في كل مرة تتعرَّض فيها أسواق الأسهم لهبوط حاد، يتكرر المشهد ذاته في مختلف أنحاء العالم، تتصدر الأخبار عناوين الانهيار، وتنتشر التحليلات المتشائمة، بينما يشعر المستثمرون بقلق متزايد تجاه مستقبل أموالهم.
وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا، يطرح السؤال نفسه: ماذا يجب أن نفعل الآن؟ هل نبيع قبل أن تتفاقم الخسائر؟ أم ننتظر؟ أم نشتري المزيد؟
وسط هذا الجدل الطويل في عالم الاستثمار، ترك الملياردير والمفكر المالي جون بوغل، مؤسس شركة Vanguard وأحد أبرز رواد الاستثمار طويل الأمد، نصيحة تبدو بسيطة للغاية لكنها تحمل في طياتها فلسفة كاملة في التعامل مع تقلبات الأسواق.
كان بوجل يقول دائمًا: “لا تفعل شيئًا.. فقط قف مكانك”، قد تبدو هذه العبارة غريبة في عالم مليء بالحركة والتحليلات والقرارات السريعة، لكنها تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الأسواق المالية وسلوك المستثمرين خلالها.
يرى بوجل أن الانخفاضات الحادة في الأسواق ليست ظاهرة استثنائية أو غير طبيعية، بل هي جزء أساسي من طبيعة النظام المالي نفسه، فالأسواق ترتفع وتنخفض باستمرار، وقد يحدث تراجع بنسبة 25% أو حتى أكثر في فترات معينة.
التاريخ المالي مليء بالأمثلة على ذلك، مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 أو الانخفاض السريع الذي شهدته الأسواق في بداية جائحة كورونا عام 2020 وفي تلك اللحظات، يسيطر الذعر على الكثير من المستثمرين، فيسارعون إلى بيع أصولهم خوفًا من خسائر أكبر، لكن هذا السلوك غالبًا ما يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا.
المشكلة الأساسية، كما كان يؤكد بوجل، ليست في انخفاض السوق نفسه، بل في ردود الفعل العاطفية التي يتخذها المستثمرون أثناء الأزمات، وعندما تهبط الأسعار بسرعة، يشعر المستثمر بالخوف والقلق، فيبدأ باتخاذ قرارات متسرعة قد تدمر خطته الاستثمارية بالكامل.
وكثير من الناس يبيعون أسهمهم عند أدنى الأسعار، ثم يعودون للشراء لاحقًا عندما ترتفع الأسعار مجددًا، وهو ما يعني أنهم خسروا مرتين: مرة عند البيع بخسارة، ومرة عند الشراء بسعر أعلى.
من هنا تأتي أهمية الالتزام بالاستثمار طويل الأمد، وهو المبدأ الذي كان بوغل يدافع عنه طوال مسيرته المهنية، فقد كان من أبرز الداعمين لفكرة الاستثمار المنتظم في صناديق المؤشرات منخفضة التكلفة، والاعتماد على استراتيجية تُعرف باسم “المتوسط التكلفة بالدولار”.
تقوم هذه الاستراتيجية على فكرة بسيطة جدًا: استثمار مبلغ ثابت من المال بشكل دوري ومنتظم، بغض النظر عن مستوى الأسعار في السوق.
على سبيل المثال، إذا قرر شخص استثمار ألف ريال شهريًّا في صندوق استثماري معين، فإنه سيشتري عددًا مختلفًا من الوحدات في كل شهر حسب السعر، عندما تكون الأسعار منخفضة، سيحصل على عدد أكبر من الوحدات بنفس المبلغ، وعندما ترتفع الأسعار سيحصل على عدد أقل.
ومع مرور الوقت، يؤدي هذا الأسلوب إلى خفض متوسط تكلفة الشراء، خصوصًا في الأسواق المتقلبة التي تشهد صعودًا وهبوطًا متكررًا.
هذه الفكرة تجعل الانخفاضات في السوق فرصة حقيقية للمستثمر طويل الأمد بدل أن تكون مصدرًا للخوف، فعندما تهبط الأسعار، يصبح بإمكان المستثمر شراء المزيد من الأسهم أو الوحدات بنفس المبلغ الذي كان يستثمره سابقًا، ومع عودة السوق إلى الارتفاع لاحقًا، تتحول هذه المشتريات منخفضة السعر إلى مصدر أرباح إضافية.
لكن المشكلة أن معظم المستثمرين يتصرفون بالعكس تمامًا. فعندما ترتفع الأسواق ويزداد التفاؤل، يتسابق الكثيرون إلى الشراء خوفًا من تفويت الفرصة، وعندما تبدأ الأسعار بالانخفاض، يتحول التفاؤل بسرعة إلى خوف، فيسارعون إلى البيع، وهذه الدائرة العاطفية هي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل كثيرًا من المستثمرين يحققون نتائج أقل بكثير من أداء السوق نفسه.
وقد أظهرت العديد من الدراسات أن المستثمرين الذين يحافظون على استثماراتهم لفترات طويلة ويتجنبون القرارات العاطفية غالبًا ما يحققون عوائد أفضل من أولئك الذين يحاولون التنبؤ بحركة السوق أو توقيت الدخول والخروج منه، فالتنبؤ الدقيق بحركة الأسواق على المدى القصير يكاد يكون مستحيلًا حتى بالنسبة للمحترفين، بينما يعتمد الاستثمار طويل الأمد على الصبر والانضباط أكثر من أي شيء آخر.
في بعض الأسواق حول العالم، أثبتت الأزمات المالية كيف يمكن للذعر الجماعي أن يفاقم الانهيارات، ففي الصين مثلًا خلال أزمة عام 2015، أدى بيع المستثمرين الأفراد بكثافة إلى تعميق الخسائر في السوق، وفي أسواق أخرى مثل السوق السعودية خلال أزمة 2006، تكبد عدد كبير من المستثمرين خسائر كبيرة نتيجة قرارات البيع المتسرعة.
وهذه التجارب دفعت كثيرًا من المحللين في السنوات الأخيرة إلى التشديد على أهمية الاستثمار المنتظم وعدم الذعر أثناء التقلبات، وهي أفكار تتماشى إلى حد كبير مع فلسفة جون بوجل.
وفي النهاية، قد تبدو نصيحة بوغل بسيطة للغاية مقارنة بالتعقيد الكبير الذي يحيط بالأسواق المالية، لكنها في الواقع واحدة من أكثر النصائح قوة وفعالية في عالم الاستثمار، فبدل محاولة التنبؤ بكل حركة في السوق، يركز المستثمر طويل الأمد على الاستمرار في الاستثمار والالتزام بخطة واضحة، الانخفاضات ستحدث دائمًا، والأزمات ستتكرر، لكن التاريخ يظهر أن الأسواق تميل إلى التعافي مع مرور الوقت.
لذلك، عندما تهبط الأسواق بنسبة كبيرة ويعم القلق بين المستثمرين، قد يكون القرار الأكثر حكمة هو القرار الذي يبدو الأقل إثارة: الحفاظ على الهدوء والاستمرار في الاستثمار، فكما كان يقول جون بوجل، الخطر الحقيقي ليس في تقلبات السوق، بل في القرارات العاطفية التي قد تدفع المستثمر إلى التخلي عن خطته في أسوأ لحظة ممكنة، الصبر والانضباط، في كثير من الأحيان، هما العنصران اللذان يصنعان الفرق الحقيقي في رحلة بناء الثروة.