قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن الاهتمام العالمي بالعلاقة بين اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) وريادة الأعمال يشهد تزايدًا ملحوظًا، في ظل وجود عدد من مؤسسي الشركات والمديرين التنفيذيين الذين أعلنوا إصابتهم بالاضطراب، ومن بينهم رواد أعمال أسسوا شركات تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات.
وأوضح شقير، أن المستثمرين المؤسسيين لا ينظرون إلى التشخيص الطبي باعتباره العامل الحاسم، وإنما يركزون على فهم كيفية تأثير أنماط التفكير المختلفة في الابتكار، واتخاذ القرار، وبناء الشركات عالية النمو، مع إدراك أن ADHD قد يمثل نقطة قوة في بعض البيئات، وفي المقابل قد يفرض تحديات كبيرة في بيئات أخرى.
وأضاف شقير، أن النقاش الأهم لم يعد يدور حول ما إذا كان ADHD يقود إلى النجاح، بل حول كيفية بناء المؤسسات لبيئات عمل تستثمر اختلاف طرق التفكير دون إغفال إدارة المخاطر، وهو ما يكتسب أهمية متزايدة مع توسع اقتصاد الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال الرقمية.
الاقتصاد المعرفي أعاد تعريف قيمة رأس المال البشري
وأشار سامر شقير، إلى أن العقد الأخير شهد تحولًا واضحًا في نظرة الأسواق إلى رأس المال البشري، إذ كانت الأولوية في الاقتصاد الصناعي للانضباط التشغيلي والقدرة على تكرار العمليات، بينما أصبحت القيمة اليوم تُقاس بدرجة أكبر بالابتكار، والقدرة على حل المشكلات، وسرعة اتخاذ القرار في بيئات تتسم بالتغير المستمر.
وأضاف شقير، أن هذا التحول دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مفهوم “المؤسس المثالي”، فلم يعد النجاح مرتبطًا بالصفات التقليدية فقط، بل أصبح يعتمد أيضًا على القدرة على اكتشاف الفرص التي قد لا يلاحظها الآخرون، وهي مهارة قد تظهر لدى بعض الأشخاص المصابين بـ ADHD، إلى جانب تحديات حقيقية تتعلق بالتنظيم، والتركيز، والاستدامة التنفيذية.
وأكد شقير، أن المؤسسات الاستثمارية الكبرى أصبحت تنظر بصورة متزايدة إلى التنوع المعرفي داخل فرق الإدارة باعتباره أحد العوامل المؤثرة في بناء شركات أكثر قدرة على الابتكار.
النجاح لا يرتبط بالتشخيص وحده
وأوضح سامر شقير، أن عددًا من رواد الأعمال تحدثوا علنًا عن إصابتهم بـ ADHD، من بينهم Barbara Corcoran، وDavid Neeleman مؤسس JetBlue، إضافة إلى شخصيات أخرى ارتبط اسمها بالاضطراب من خلال تصريحات أو تقارير عامة، مشددًا على أهمية التمييز بين القصص الفردية والحقائق الاستثمارية، موضحًا أن وجود رجال أعمال ناجحين لديهم ADHD لا يعني أن الاضطراب يقود تلقائيًّا إلى النجاح، كما أن الغالبية العظمى من المصابين لا يصبحون مليارديرات أو مؤسسي شركات عالمية.
وأضاف شقير، أن النجاح الاقتصادي هو نتيجة تفاعل معقد بين المهارات، والتعليم، والفرص، والبيئة المؤسسية، والتمويل، وفريق العمل، والانضباط التنفيذي، وليس نتيجة سمة شخصية واحدة.
ما الذي يبحث عنه المستثمرون؟
وقال سامر شقير: إن المستثمرين في الشركات الناشئة لا يقيّمون الفكرة أو حجم السوق فقط، وإنما يركزون أيضًا على طبيعة الفريق المؤسس.
وأوضح شقير، أن مستثمري رأس المال الجريء يبحثون عادة عن مجموعة من السمات، أبرزها الجرأة في اتخاذ القرار، والتفكير غير التقليدي، والقدرة على اكتشاف فرص غير واضحة، وسرعة التكيف مع المتغيرات.
الاستعداد لتحمُّل المخاطر المحسوبة.
وأشار شقير، إلى أن هذه الصفات قد تتوافر لدى بعض الأشخاص المصابين بـ ADHD، لكنها ليست حكرًا عليهم، كما أنها قد تتحول إلى مصدر للمخاطر إذا لم تُدعَم بهياكل تشغيلية قوية، وإدارة مالية منضبطة، وحوكمة فعالة.
الحوكمة هي العامل الحاسم
وأكد سامر شقير، أن الأسواق لا تكافئ الأفكار المبتكرة وحدها، بل تكافئ القدرة على تحويل تلك الأفكار إلى مؤسسات مستدامة.
وأضاف شقير، أن المستثمرين المحترفين يدركون أن المؤسس الاستثنائي قد يحتاج إلى فريق إداري يعوض نقاط ضعفه، لذلك أصبح من المعتاد أن تضم الشركات الناشئة مديرين ماليين، ورؤساء للعمليات، ومستشارين ذوي خبرة، بهدف تحقيق التوازن بين الابتكار والانضباط التشغيلي، موضحًا أن قوة المؤسسة لا تُقاس بقدرات المؤسس الفردية فقط، وإنما بمدى تكامل فريق القيادة وقدرته على التنفيذ.
الذكاء الاصطناعي رفع قيمة التنوع المعرفي
وأشار سامر شقير، إلى أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي جعل المهام الروتينية أكثر قابلية للأتمتة، في حين ارتفعت أهمية المهارات التي يصعب استبدالها بالأنظمة الذكية.
وأوضح أن هذه المهارات تشمل التفكير الإبداعي، والربط بين الأفكار المتباعدة، وابتكار نماذج أعمال جديدة، واستشراف الاتجاهات المستقبلية.
وأضاف شقير، أن هذا الواقع يدفع المستثمرين إلى التركيز بصورة أكبر على تنوع القدرات الإدراكية داخل فرق العمل، باعتباره أحد أهم مصادر الميزة التنافسية في الاقتصاد الرقمي.
السعودية والخليج أمام فرصة جديدة
وقال سامر شقير: إن هذا التوجُّه يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تركز على الابتكار، وريادة الأعمال، والاقتصاد المعرفي، وتنمية الشركات التقنية، وجذب الاستثمارات في القطاعات ذات القيمة المضافة.
وأضاف شقير، أنه مع التوسع المستمر لصناديق رأس المال الجريء في المملكة ودول الخليج، أصبح الاهتمام ينصب بصورة أكبر على جودة فرق التأسيس، وليس فقط على حجم السوق أو التكنولوجيا المستخدمة.
وأشار شقير، إلى أن تنامي منظومة الشركات الناشئة في المنطقة يعزز أهمية بناء ثقافة مؤسسية تستفيد من تنوع أنماط التفكير، مع الالتزام بأعلى معايير الحوكمة وإدارة المخاطر.
كيف يقرأ المستثمرون هذه الظاهرة؟
وأوضح سامر شقير، أن المستثمر المؤسسي لا يستثمر في صفة شخصية، وإنما في منظومة متكاملة تضم جودة الإدارة، والقدرة على التنفيذ، وهيكل الحوكمة، واستدامة نموذج الأعمال.
وأضاف شقير، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك طريقة تفكير مختلفة، وإنما في القدرة على تحويل هذه الميزة إلى أداء تشغيلي قابل للتوسع، وهو ما يميز الشركات التي تنجح في الانتقال من مرحلة الابتكار إلى مرحلة خلق القيمة طويلة الأجل، مؤكدًا أن أسواق المال أصبحت أكثر اهتمامًا بقدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف داخل فرق العمل، لأن الابتكار المستدام غالبًا ما يكون نتاجًا لفرق تجمع بين الرؤية الإبداعية والانضباط التنفيذي.
رؤية استراتيجية
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن الاهتمام العالمي بدراسة العلاقة بين التنوع العصبي وريادة الأعمال مرشح للاستمرار مع توسع اقتصاد الذكاء الاصطناعي واحتدام المنافسة على استقطاب المواهب القادرة على الابتكار.
وأضاف شقير، أن الرسالة الأهم للمستثمرين تتمثل في أن النجاح لا يرتبط بتشخيص طبي أو سمة فردية، بل بقدرة المؤسسة على توظيف المواهب المختلفة داخل إطار من الحوكمة، والانضباط المالي، وكفاءة تخصيص رأس المال.
وقال سامر شقير في ختام رؤيته: إن الميزة التنافسية خلال العقد المقبل لن تكون في امتلاك أفضل فكرة فقط، بل في بناء مؤسسات قادرة على تحويل اختلاف طرق التفكير إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وهو ما سيشكل أحد أبرز محددات الاستثمار المؤسسي واتجاهات أسواق رأس المال خلال السنوات المقبلة.