أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ موجة حرائق الغابات غير المسبوقة التي تشهدها مناطق واسعة في جنوب غرب فرنسا ووسط إسبانيا تمثل مؤشرًا واضحًا على تحول المخاطر المناخية من أحداث طارئة إلى عامل هيكلي يؤثر في تقييم الأصول الأوروبية وتكاليف التأمين واتجاهات تدفقات رأس المال المؤسسي.
وأوضح سامر شقير، أن الحرائق التي أجبرت أكثر من 300 ألف شخص على مغادرة منازلهم والمناطق السياحية خلال الأيام الأخيرة من يوليو 2026، والتي اقتربت من مدينة بوردو مركز صناعة النبيذ الفرنسية، إلى جانب إعلان إسبانيا حالة الطوارئ الوطنية بسبب انتشار النيران، لا يمكن التعامل معها باعتبارها أزمة بيئية محلية فقط، بل باعتبارها اختبارًا لقدرة الأسواق على استيعاب مخاطر مناخية متزايدة ضمن نماذج التقييم والاستثمار.
وأشار سامر شقير، إلى أن هذه التطورات تمثل بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية تذكيرًا بأن مخاطر الطقس المتطرف لم تعد أحداثًا دورية يمكن احتواؤها ضمن النماذج التقليدية لتسعير المخاطر، وإنما أصبحت ضغوطًا مستمرة تؤثر في الإنتاجية والنمو والميزانيات العامة في اقتصادات منطقة اليورو.
وأكد سامر شقير، أن التحولات المناخية الحالية تعيد تعريف العلاقة بين المخاطر والعوائد في الأسواق الأوروبية، حيث أصبح من الضروري إعادة تقييم الأصول وفقًا لقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة، وليس فقط وفقًا لمؤشرات الأداء المالي التقليدية.
السياق الاقتصادي والمخاطر الهيكلية في الأسواق الأوروبية
وأوضح سامر شقير، أن حجم التأثيرات الناتجة عن حرائق الغابات الحالية يعكس تغيرًا جوهريًّا في طبيعة المخاطر التي تواجه الاقتصادات الأوروبية، مشيرًا إلى أن فرنسا سجلت حتى الآن احتراق نحو 98 ألف هكتار من الغابات منذ بداية العام، وهو مستوى قياسي تاريخي، فيما التهمت النيران في منطقة جيروند وحدها أكثر من 42 ألف هكتار، بما يعادل تقريبًا أربعة أضعاف مساحة باريس.
وأضاف شقير، أن إسبانيا تواجه بدورها مستويات مرتفعة من المساحات المحروقة مقارنة بالمتوسطات التاريخية، مع عمليات إجلاء واسعة لعشرات الآلاف من السكان في مناطق غرب مدريد ومناطق أخرى، وهو ما يعكس اتساع نطاق تأثير الظواهر المناخية المتطرفة على النشاط الاقتصادي والمجتمعات المحلية.
وأشار سامر شقير، إلى أن هذه الأحداث تأتي ضمن سياق أوسع من تكرار موجات الحر الشديد، حيث تشير تقديرات أليانز ترايد إلى أن تكرار سيناريوهات الحرارة المرتفعة التي شهدتها الفترة بين 2014 و2024 خلال السنوات 2026 إلى 2030 قد يؤدي إلى خسائر تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى 240 مليار دولار في فرنسا و120 مليار دولار في إسبانيا.
وأكد سامر شقير، أن هذه الخسائر لا تقتصر على الأضرار المباشرة الناتجة عن الحرائق، بل تمتد إلى انخفاض إنتاجية العمالة، حيث تشير التقديرات إلى تراجع الإنتاجية بنحو 3% لكل درجة مئوية إضافية فوق عتبة 30 درجة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التبريد وتراجع الاستثمار الرأسمالي نتيجة انخفاض العوائد المتوقعة.
وقال سامر شقير: إن هذه الديناميكية تعيد تشكيل معادلة تخصيص رأس المال في الأسواق الأوروبية، موضحًا أن المستثمرين المؤسسيين أصبحوا مطالبين بإعادة تسعير المخاطر المناخية باعتبارها عاملًا هيكليًّا وليس حدثًا عابرًا، خاصة في الأصول العقارية والسياحية والزراعية بالمناطق الجنوبية.
وأضاف شقير، أن هذا التحول يدفع المستثمرين نحو تفضيل الأصول التي تمتلك قدرة أعلى على التكيف، سواء من خلال البنية التحتية المقاومة للتغيرات المناخية أو التقنيات الرقمية المستخدمة في التنبؤ والوقاية وإدارة المخاطر.