قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن اعتراف المستثمر الأمريكي وارن بافيت، رئيس مجلس إدارة بيركشاير هاثاواي، بخطئه في تجاهل الاستثمار في أسهم ألفابت لسنوات طويلة، يمثل أكثر من مجرد مراجعة لقرار استثماري سابق، بل يعكس تحولًا هيكليًّا في طريقة تخصيص رؤوس الأموال المؤسسية تجاه شركات التكنولوجيا القادرة على قيادة سباق الذكاء الاصطناعي.
وأوضح شقير، أن بافيت أكد، في مقابلة مع شبكة CNBC، أنه أدرك منذ سنوات قوة نموذج أعمال ألفابت الإعلاني من خلال شركة جييكو التابعة لبيركشاير، إلا أنه تأخر في الاستثمار بالشركة.
وأضاف شقير، أن قرار رفع استثمارات بيركشاير إلى نحو 31 مليار دولار، تشمل أسهمًا عامة واستثمارًا خاصًا بقيمة 10 مليارات دولار ضمن طرح رأسمالي لألفابت بلغت قيمته 80 مليار دولار، جاء بمبادرته الشخصية، وليس بقرار من الرئيس التنفيذي الجديد غريغ أبيل.
ولفت شقير، إلى أن هذه الخطوة تعكس تحولًا في نظرة المستثمرين إلى الشركات التكنولوجية، التي أصبحت مطالبة بتمويل استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على تحقيق عوائد مستدامة للمساهمين.
الذكاء الاصطناعي غيَّر قواعد تخصيص رأس المال
وأشار سامر شقير، إلى أن الأسواق العالمية تعيش مرحلة إعادة تسعير لمخاطر الإنفاق الرأسمالي المرتبط ببناء مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية، في ظل استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبيًّا، وتواصل الضغوط التضخمية بصورة معتدلة في الاقتصادات المتقدمة.
وأوضح شقير، أن الشركات التي كانت تُصنف سابقًا باعتبارها شركات ذات أصول خفيفة أصبحت مطالبة اليوم بضخ استثمارات بمليارات الدولارات للحفاظ على قدرتها التنافسية في سباق الذكاء الاصطناعي.
وأضاف شقير، أن هذا الواقع جعل المستثمرين المؤسسيين ينظرون بصورة مختلفة إلى الشركات التي تمتلك مراكز احتكارية في مجالات البحث والإعلان والحوسبة السحابية، باعتبارها قادرة على تحمل دورات استثمارية طويلة دون الإضرار بجودة التدفقات النقدية.
ألفابت أعادت صياغة معادلة الاستثمار التكنولوجي
وأوضح سامر شقير، أن وارن بافيت ظل لعقود يتجنب الاستثمار في معظم شركات التكنولوجيا بسبب صعوبة تقييم استدامة أرباحها، إلا أن النمو المتسارع الذي حققته ألفابت دفعه إلى إعادة النظر في هذه القناعة.
وأشار شقير، إلى أن الشركة سجلت إيرادات تجاوزت 110 مليارات دولار خلال الربع الأول من عام 2026، بنمو سنوي تجاوز 20%، فيما حققت وحدة Google Cloud نموًا تجاوز 60%، وهو ما عزز ثقة المستثمرين بقدرتها على تمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي دون الإخلال بمتانة مركزها المالي.
وأضاف شقير، أن مشاركة بيركشاير في الطرح الخاص لألفابت تعكس قبولًا متزايدًا لدى كبار المستثمرين لفكرة الإنفاق الرأسمالي المكثف عندما يكون مدعومًا بميزة تنافسية يصعب تقليدها.
وقال شقير: إن اعتراف بافيت يعكس تحولًا أعمق في سيكولوجية الأسواق، فالمستثمرون المؤسسيون لم يعودوا يبحثون فقط عن الشركات الخفيفة الأصول، بل عن المؤسسات القادرة على تمويل سباقات تكنولوجية طويلة الأجل دون تآكل العائد على رأس المال، وألفابت تمثل نموذجًا يجمع بين التدفقات النقدية القوية من الإعلانات والقدرة على استثمار مئات المليارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
كيف يقرأ المستثمرون المؤسسيون هذا التحول؟
وقال سامر شقير: إن الأسواق العالمية تشهد استمرارًا في انتقال رؤوس الأموال نحو شركات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، مع قيام صناديق التحوط وصناديق الثروة السيادية بإعادة موازنة محافظها الاستثمارية لصالح الشركات التي تجمع بين الهيمنة السوقية والقدرة على تمويل توسعات رأسمالية ضخمة.
وأوضح شقير، أن أسواق الدخل الثابت تراقب في الوقت نفسه تأثير هذا الإنفاق على احتياجات التمويل لدى شركات التكنولوجيا الكبرى، بالتزامن مع استمرار البنوك المركزية في تبني سياسات نقدية حذرة.
وأضاف شقير: “قرار بيركشاير يعكس إدراكًا بأن تكلفة الفرصة الضائعة الناتجة عن تجاهل الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي أصبحت أعلى من مخاطر الإنفاق الرأسمالي نفسه، فتخصيص رأس المال لم يعد اختيارًا بين أسهم النمو وأسهم القيمة، بل أصبح يعتمد على قدرة الشركات على تحويل الإنفاق الضخم إلى ميزة تنافسية طويلة الأجل”.
وأكد شقير، أن هذا النهج يتوافق مع فلسفة الاستثمار المؤسسي التي تفضل الشركات القادرة على تحقيق عوائد مرتفعة ومستدامة على رأس المال المستثمر عبر دورات اقتصادية متعددة.
فرص جديدة.. ومخاطر ينبغي مراقبتها
وأشار سامر شقير، إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى، وفي مقدمتها ألفابت، تواجه تحديات مرتبطة بحجم الاستثمارات المطلوبة في مراكز البيانات، والتي قد تتجاوز 180 مليار دولار سنويًّا لدى بعض الشركات العالمية.
وأوضح شقير، أن الإيرادات القوية من الإعلانات، إلى جانب النمو المتسارع في خدمات الحوسبة السحابية، تمنح هذه الشركات مرونة مالية تساعدها على تمويل تلك الاستثمارات دون ضغوط كبيرة على ميزانياتها.
وأضاف شقير، أن هذا التحول يفتح أيضًا فرصًا جديدة أمام الأسواق الناشئة، بما في ذلك السعودية ودول الخليج، للتوسع في مجالات البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، ضمن استراتيجيات التنويع الاقتصادي.
وأشار شقير، إلى أن المستثمرين في المنطقة يستطيعون الاستفادة من هذا التحول عبر تعزيز الشراكات مع الشركات العالمية الرائدة، أو من خلال الاستثمار في بناء قدرات محلية قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية الخاصة بالاقتصاد الرقمي.
وشدد شقير على أن التوسع في الإنفاق الرأسمالي دون ضمان تحقيق عوائد مستدامة قد يؤدي إلى ضغوط على هوامش الربحية خلال المدى المتوسط.
رؤية استراتيجية
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار تدفق رؤوس الأموال نحو الشركات التي تجمع بين الهيمنة السوقية والقدرة على تمويل الابتكار، مع بقاء مخاطر التقييمات المرتفعة قائمة إذا تباطأ انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو ارتفعت تكاليف التمويل.
وأوضح شقير، أن الدرس الأبرز الذي يمكن أن يستخلصه المستثمرون من اعتراف وارن بافيت يتمثل في أهمية المرونة عند مراجعة الفرضيات الاستثمارية، والاستعداد لتصحيح المسار عندما تتغير معطيات السوق.
وقال سامر شقير في ختام رؤيته: إن الاستثمار طويل الأجل الناجح لا يقوم فقط على صحة القرارات، بل أيضًا على القدرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها في الوقت المناسب، مع الحفاظ على مبادئ تخصيص رأس المال القائمة على العائد المستدام، والحوكمة القوية، والميزة التنافسية التي يصعب تقليدها، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، ستظل هذه المبادئ هي الأساس الذي تبنى عليه المحافظ الاستثمارية القادرة على الصمود عبر مختلف الدورات الاقتصادية.