قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن التصريحات الأخيرة للرئيس التنفيذي لشركة هيوماين، التي أكد فيها أن الذكاء الاصطناعي سيشكل مستقبل السعودية بالطريقة نفسها التي أسست بها أرامكو قطاع الطاقة، تعكس تحولًا هيكليًّا في طريقة تخصيص رأس المال داخل المملكة، وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع تقني، بل أصبح أصلًا اقتصاديًّا استراتيجيًّا ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وأوضح شقير، أن هذا التحول يفتح آفاقًا استثمارية طويلة الأجل في البنية التحتية الرقمية، والطاقة، والحوسبة عالية الأداء، في ظل اهتمام متزايد من المستثمرين المؤسسيين بقطاعات تجمع بين الدعم السيادي والطلب العالمي المتنامي.
وأضاف شقير، أن المملكة تمتلك مزيجًا فريدًا من الطاقة الوفيرة، والأراضي، والتمويل السيادي، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية في وقت يواجه فيه العالم نقصًا في القدرة الحاسوبية وارتفاعًا مستمرًا في تكاليف تشغيل مراكز البيانات، الأمر الذي يدفع رأس المال المؤسسي إلى إعادة توجيه استثماراته نحو الأصول المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
السعودية تعزز مكانتها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي
وأشار سامر شقير، إلى أن الأسواق العالمية تواجه ضغوطًا متزايدة على سلاسل إمداد الطاقة والرقائق الإلكترونية، في وقت تتطلب فيه نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي كميات ضخمة من الكهرباء والقدرات الحاسوبية.
وأوضح شقير، أن السعودية تتمتع بقدرة على توفير الطاقة بأسعار تنافسية، اعتمادًا على مزيج من مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة، وهو ما يسهم في خفض التكلفة الإجمالية لامتلاك وتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بنسبة تتراوح بين 20 و30%، وفق تقديرات تنفيذية.
وأضاف شقير، أن هذه الميزة تفسر التركيز المتزايد لصندوق الاستثمارات العامة على بناء منظومة متكاملة تشمل مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والنماذج اللغوية، والتطبيقات المتقدمة، بما يعزز موقع المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
«هيوماين» تقود استثمارات الحوسبة المستقبلية
وأوضح سامر شقير، أن شركة هيوماين، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة ويرأس مجلس إدارتها صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تستهدف بناء قدرة حاسوبية تصل إلى نحو 1.9 غيغاواط بحلول عام 2030، مع طموح للوصول إلى 6.6 غيغاواط بحلول 2034.
وأشار شقير، إلى أن هذه الأهداف لا تعكس مجرد خطط تشغيلية، وإنما تشير إلى حجم استثمارات يقدر بعشرات المليارات من الدولارات خلال المرحلة الأولى، وهو ما يعكس حجم الرهان السعودي على هذا القطاع.
وأضاف شقير، أن الشراكات مع شركات عالمية مثل NVIDIA وAMD وCisco وAmazon وxAI تؤكد أن المملكة لا تكتفي ببناء قدراتها المحلية، بل تسعى أيضًا إلى الاندماج في سلاسل القيمة العالمية الخاصة بصناعة الذكاء الاصطناعي.
كيف يقرأ المستثمرون المؤسسيون هذا التحول؟
وقال سامر شقير: إن المستثمرين المؤسسيين ينظرون إلى هذه التطورات من منظور تخصيص رأس المال طويل الأجل، موضحًا أن الانتقال من الاعتماد على النفط إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي باعتباره أصلًا استراتيجيًّا يعكس تطورًا في استثمار المزايا التنافسية التي تمتلكها المملكة.
وأضاف شقير، أن رأس المال المؤسسي يتجه اليوم نحو الأصول التي تجمع بين الدعم السيادي والطلب العالمي الهيكلي، وهو ما يجعل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية من أبرز الوجهات المرشحة لاستقطاب استثمارات صناديق الثروة السيادية وصناديق الأسهم الخاصة.
وأشار شقير، إلى أن الأسواق تشهد حاليًا إعادة تسعير للمخاطر المرتبطة بالطاقة والحوسبة، حيث تواجه الدول التي تعاني من محدودية الشبكات الكهربائية ارتفاعًا في تكاليف التشغيل، بينما تستفيد السعودية من وفرة الطاقة، وهو ما يفتح المجال أمام تمويل مشاريع مراكز البيانات بعوائد مستقرة مدعومة بعقود طويلة الأجل مع مشغلين عالميين.
أسواق المال قد تستفيد من التحول
وأوضح سامر شقير، أن هذا الاتجاه قد ينعكس أيضًا على أسواق الأسهم والدخل الثابت، من خلال ارتفاع الطلب على أدوات الدين المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.
وأضاف شقير، أن نجاح شركة هيوماين في تنفيذ خططها، وإمكانية إدراجها المزدوج في تداول وناسداك خلال السنوات الأربع المقبلة، وفق ما أعلنه الرئيس التنفيذي للشركة، قد يوفر سيولة إضافية ويتيح للمستثمرين الدوليين فرصة المشاركة المباشرة في نمو قطاع الذكاء الاصطناعي السعودي.
فرص استثمارية تمتد إلى قطاعات متعددة
وأكد سامر شقير، أن تأثير هذا التحول لن يقتصر على قطاع التكنولوجيا، بل سيمتد إلى مجموعة واسعة من القطاعات الاقتصادية.
وأوضح شقير، أن قطاع الطاقة سيستفيد من زيادة الطلب على الكهرباء المستقرة ومنخفضة التكلفة، بما يدعم الاستثمارات في التوليد التقليدي، والطاقة المتجددة، وتقنيات التخزين.
وأضاف شقير، أن قطاعي التصنيع والخدمات اللوجستية سيشهدان فرصًا كبيرة لتحسين الإنتاجية وخفض التكاليف من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع استمرار جهود توطين الصناعات المتقدمة، فيما يواصل القطاع المالي توسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر، والامتثال، والتحليلات، بما يخلق فرصًا إضافية لشركات التقنية المالية في المملكة والمنطقة.
مخاطر ينبغي مراقبتها
وأشار سامر شقير، إلى أن الفرص الكبيرة يصاحبها عدد من المخاطر التي ينبغي أخذها في الاعتبار.
وأوضح شقير، أن أبرز هذه المخاطر تتمثل في احتمالات تأخر الحصول على الموافقات التنظيمية الخاصة بالرقائق المتقدمة، وتقلبات أسعار الطاقة العالمية، واشتداد المنافسة من مراكز البيانات في الأسواق الإقليمية والعالمية، مضيفًا أن نجاح تطوير النماذج اللغوية العربية يعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات، ومستوى الحوكمة، والاستثمار المستمر في الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة هذا القطاع.
رؤية استراتيجية
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن المستثمرين الذين يبنون مراكز استثمارية في الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل السعودية يراهنون على تحول هيكلي طويل الأجل، يشبه من حيث الأثر الاقتصادي ما أحدثته أرامكو في قطاع الطاقة قبل عقود.
وأوضح شقير، أن القيمة الحقيقية تكمن في الجمع بين الميزة الطاقوية، والسيادة الرقمية، والشراكات العالمية، وهو ما يرفع حواجز الدخول أمام المنافسين ويعزز القدرة على تحقيق قيمة مستدامة، مضيفًا أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية في الطلب العالمي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فمن المتوقع أن تشهد المملكة تدفقات رأسمالية متزايدة نحو مشاريع مراكز البيانات والحوسبة، بدعم من صندوق الاستثمارات العامة وصناديق البنية التحتية، أما إذا تباطأ الطلب العالمي أو ارتفعت التكاليف بصورة كبيرة، فقد يتركز الاستثمار على التطبيقات ذات العائد الأسرع، مثل النماذج اللغوية والخدمات المؤسسية.
وقال شقير في ختام رؤيته: إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد دورة تقنية جديدة، بل تحول اقتصادي طويل الأجل يعيد تشكيل أولويات تخصيص رأس المال، والمؤسسات التي تستثمر مبكرًا في بناء هذه المنظومة، مع التركيز على الحوكمة والسيولة والعائد المعدل بالمخاطر، ستكون الأكثر قدرة على الاستفادة من الاقتصاد الرقمي خلال السنوات المقبلة.