Contact Us
newsletter

سامر شقير: اضطراب فرط الحركة «ADHD» لم يعد تحديًا بل فرصة اقتصادية في سوق المواهب

سامر شقير: اضطراب فرط الحركة «ADHD» لم يعد تحديًا بل فرصة اقتصادية في سوق المواهب

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) لم يعد يُناقش داخل المؤسسات العالمية باعتباره قضية طبية أو تعليمية فقط، بل أصبح جزءًا من حوار اقتصادي أوسع يتعلق بكيفية إدارة رأس المال البشري في اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الابتكار والذكاء الاصطناعي.

وأوضح شقير، أن الاقتصادات الحديثة أصبحت تمنح وزنًا أكبر للقدرات المرتبطة بالإبداع، وسرعة التكيف، والتفكير غير التقليدي، وهي سمات أشارت دراسات إلى أنها قد تظهر لدى بعض الأفراد المصابين بالاضطراب عندما تتوافر لهم البيئة المناسبة.

وأضاف شقير، أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إعادة تعريف ADHD، وإنما في إعادة تقييم أساليب توظيف وإدارة رأس المال البشري، لأن الدول والمؤسسات القادرة على استثمار اختلافات الأفراد قد تحقق ميزة تنافسية مستدامة على المدى الطويل.

اقتصاد المعرفة غيَّر مفهوم الإنتاجية التقليدية

وأشار سامر شقير، إلى أن مفهوم الإنتاجية ظل لعقود مرتبطًا بالانضباط والروتين والقدرة على تنفيذ المهام المتكررة بكفاءة، إلا أن التحول نحو اقتصاد المعرفة غيَّر هذه المعادلة بصورة واضحة.

وأضاف شقير، أن الاقتصاد العالمي أصبح يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال والبحث العلمي، وهو ما رفع من أهمية المهارات المرتبطة بحل المشكلات المعقدة مقارنة بالنماذج التقليدية للعمل.

ولفت شقير، إلى أن هذا التحول دفع عددًا متزايدًا من الشركات العالمية إلى تبني مفهوم Neurodiversity أو “التنوع العصبي”، الذي ينظر إلى الاختلافات العصبية باعتبارها تنوعًا بشريًّا يمكن أن يضيف قيمة اقتصادية، وليس مجرد تحديات ينبغي الحد منها.

وأوضح شقير، أن شركات عالمية كبرى، مثل Microsoft وSAP وIBM وDeloitte، أطلقت برامج متخصصة لاستقطاب أصحاب القدرات العصبية المختلفة، انطلاقًا من قناعة بأن الابتكار المؤسسي يحتاج إلى أنماط متعددة من التفكير.

النظرة الاقتصادية انتقلت من التكلفة إلى القيمة

وأكد سامر شقير، أن النقاش التقليدي حول اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه كان يركز في السابق على تكاليف التعليم والرعاية الصحية والإنتاجية، بينما بدأت المؤسسات والمستثمرون اليوم ينظرون إلى جانب آخر يتمثل في القيمة الاقتصادية المحتملة عندما تُدار هذه السمات بطريقة صحيحة.

وأشار شقير، إلى أن الدراسات ربطت لدى بعض الأفراد المصابين بالاضطراب عددًا من الخصائص، من بينها:

القدرة على الانغماس العميق في الموضوعات التي تثير اهتمامهم (Hyperfocus).

التفكير الإبداعي والقدرة على الربط بين الأفكار غير التقليدية.

سرعة التكيف مع البيئات المتغيرة.

الفضول المستمر والرغبة في التعلم.

مستويات مرتفعة من الطاقة عند توجيهها بصورة فعالة.

وفي الوقت نفسه، شدد شقير، على أن الأدبيات الطبية أكدت أن هذه السمات لا تنطبق على جميع المصابين، كما أنها قد تترافق مع تحديات حقيقية تستدعي التشخيص والعلاج والدعم المناسب، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها ميزة تلقائية.

رأس المال البشري أصبح معيارًا رئيسيًّا للمستثمرين

وقال سامر شقير: إن المستثمرين المؤسسيين لم يعودوا يقيمون الشركات وفق أصولها المالية فقط، بل أصبحوا ينظرون أيضًا إلى قدرتها على استقطاب أفضل المواهب والحفاظ عليها، مضيفًا: “في الاقتصاد الرقمي، أصبح رأس المال البشري أحد أهم الأصول غير الملموسة، والشركات التي تبني بيئات تستوعب أنماط التفكير المختلفة قد ترفع قدرتها على الابتكار بصورة يصعب قياسها بالقوائم المالية التقليدية”.

وأوضح شقير، أن هذا التوجُّه يتزامن مع تنامي الاهتمام بمؤشرات رأس المال البشري ضمن معايير الحوكمة والاستدامة (ESG)، حيث أصبحت جودة إدارة المواهب أحد العناصر المؤثرة في تقييم الشركات لدى العديد من المستثمرين.

الذكاء الاصطناعي أعاد تشكيل قيمة المهارات البشرية

وأوضح سامر شقير، أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي أدى إلى انتقال نسبة متزايدة من المهام الروتينية إلى الأنظمة الآلية، في الوقت الذي ارتفعت فيه قيمة المهارات التي يصعب على الخوارزميات تقليدها.

وأشار شقير إلى أن هذه المهارات تشمل الإبداع، والتفكير الاستراتيجي، وحل المشكلات غير المهيكلة، والابتكار، واتخاذ القرارات في البيئات غير المؤكدة.

وأضاف شقير، أن هذا التحول قد يمنح ميزة تنافسية للأفراد القادرين على التفكير خارج الأطر التقليدية، بصرف النظر عن اختلافاتهم العصبية.

وقال شقير: إن الذكاء الاصطناعي لم يرفع قيمة المعرفة فقط، بل رفع أيضًا قيمة الاختلاف، وكلما أصبحت المهام الروتينية أكثر اعتمادًا على الأتمتة، ازدادت أهمية القدرات الإنسانية التي يصعب استنساخها.

ريادة الأعمال لا تعتمد على التشخيص وحده

وأشار سامر شقير، إلى أن بعض الدراسات أظهرت وجود معدلات أعلى من السمات المرتبطة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى عدد من رواد الأعمال مقارنة بمتوسط السكان، مؤكدًا أن الباحثين شددوا على أن هذه العلاقة ليست سببية، وأن النجاح في ريادة الأعمال يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل، تشمل التعليم، والدعم، والبيئة، والمهارات الإدارية، وليس التشخيص وحده.

وأضاف شقير، أن عددًا من الشخصيات المعروفة التي تحدثت عن إصابتها بالاضطراب أو ارتبط اسمها به أوضحت أيضًا حجم التحديات التي واجهتها، وأكدت أهمية الاستراتيجيات العلاجية والتنظيمية في تحقيق النجاح.

انعكاسات مباشرة على الاستثمار المؤسسي

وأوضح سامر شقير، أن هذا التحول قد يدفع صناديق الاستثمار ومديري الأصول إلى توسيع معايير تقييم الشركات لتشمل عناصر تتجاوز الأداء المالي التقليدي، من بينها:

سياسات استقطاب المواهب.

برامج التنوع العصبي.

مرونة بيئة العمل.

الابتكار المؤسسي.

معدلات الاحتفاظ بالكفاءات.

ثقافة التعلم المستمر.

وأضاف شقير، أن المؤسسات التي تنجح في بناء بيئات عمل مرنة قد تحقق مزايا تنافسية يصعب تقليدها، لأن الابتكار يبدأ غالبًا من الأشخاص قبل أن ينعكس على المنتجات أو الإيرادات.

السعودية والخليج أمام فرصة في اقتصاد الابتكار

وقال سامر شقير: إن هذا التوجُّه يتقاطع مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبرامج التنويع الاقتصادي في دول الخليج، التي تركز على بناء اقتصاد قائم على المعرفة، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، وجذب الاستثمارات في القطاعات التقنية.

وأضاف شقير، أنه مع التوسع في الاستثمار بالتقنيات المتقدمة والتعليم والشركات الناشئة، قد تزداد أهمية تطوير بيئات عمل تستوعب أنماط التفكير المختلفة باعتبارها جزءًا أساسيًّا من استراتيجية بناء اقتصاد أكثر ابتكارًا وإنتاجية.

رؤية استراتيجية

واختتم سامر شقير بالتأكيد على أنه لا ينبغي اختزال اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في صورة نمطية، سواء باعتباره عائقًا دائمًا أو “قوة خارقة”، موضحًا أنه اضطراب نمائي عصبي حقيقي قد يفرض تحديات كبيرة على كثير من الأفراد، لكنه قد يترافق أيضًا مع نقاط قوة لدى بعضهم عندما يتوافر التشخيص الصحيح، والدعم المناسب، وبيئة العمل الملائمة.

وقال شقير في ختام رؤيته: إن الاستثمار الأكثر قيمة خلال العقد المقبل قد لا يكون في التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة المؤسسات على اكتشاف الإمكانات البشرية التي كانت تُهمَّش سابقًا، فالاقتصادات التي تعيد تعريف رأس المال البشري ستكون الأكثر استعدادًا لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي.

وأشار شقير، إلى أن الاقتصاد العالمي ينتقل تدريجيًّا من الاعتماد على العمل المتكرر إلى نموذج يرتكز على الابتكار والمرونة، وهو ما قد يجعل الاستثمار في تنوع القدرات البشرية جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز الإنتاجية، وخلق قيمة طويلة الأجل، ورفع القدرة التنافسية للشركات والدول.