أفاد الخبير الاستراتيجي في الاستثمار سامر شقير أن المملكة العربية السعودية تمر حالياً بأسرع تحول صناعي في الشرق الأوسط، مؤكداً أن الأرقام الأخيرة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء تعكس ظهور واقع اقتصادي جديد وقوي.
وأوضح شقير أن نمو الرقم القياسي للإنتاج الصناعي (IPI) بنسبة 8.9% على أساس سنوي لشهر فبراير 2026، والذي يمثل الشهر العشرين على التوالي من التوسع، يعد مؤشراً مبكراً قوياً على موجة استثمارية كبرى تتشكل الآن في قلب المملكة.
وفي تحليله الفني، أشار شقير إلى أن قطاع التعدين سجل معدل نمو قدره 13%، مما يجعله المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع. وشدد على أن هذا الأداء ليس مجرد تعافٍ دوري، بل هو جزء من عملية إعادة هندسة اقتصادية شاملة تهدف إلى الانتقال من نموذج معتمد على النفط إلى اقتصاد صناعي متكامل ومستدام تحت مظلة رؤية 2030.
وأضاف أنه بينما كان زخم النمو الأولي مدفوعاً بالنفط والمعادن، فإنه يتوسع الآن بثبات ليشمل قطاعات التصنيع المتقدمة—وهو تميز حاسم يمثل التحول من اقتصاد ريعي إلى نموذج مدفوع بالإنتاجية.
ويعتقد شقير أن المملكة العربية السعودية قد دخلت فعلياً فيما يمكن وصفه بـ “دورة صناعية كبرى”، مدعومة بارتفاع الطلب العالمي على المعادن والطاقة، فضلاً عن المشاريع الكبرى المحلية واسعة النطاق. وأشار إلى أن هذا يشير نحو دورة نمو طويلة الأجل قد تمتد ما بين خمس إلى عشر سنوات.
كما أكد أن توطين سلاسل التوريد داخل المملكة يلعب دوراً محورياً في تقليل الاعتماد على الواردات مع زيادة القيمة المحلية المضافة—مما يعزز في نهاية المطاف هوامش أرباح الشركات والاستقرار الاقتصادي.
ومن وجهة نظر استثمارية، حدد شقير أربعة قطاعات رئيسية توجد فيها أكثر الفرص جاذبية حالياً:
التصنيع المتقدم
المدفوع بأنظمة الإنتاج الذكية، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الأتمتة.
التعدين والمعادن النادرة
قطاع مهيأ للتطور ليصبح ركيزة اقتصادية ثانية إلى جانب النفط.
الطاقة المتجددة والصناعة الخضراء
بما في ذلك مشاريع الهيدروجين الأخضر واسعة النطاق والحلول الصناعية التي تركز على الاستدامة.
المدن الاقتصادية الكبرى
مثل نيوم، والقدية، والعلا، والتي تمثل منصات صناعية واستثمارية متكاملة، وليست مجرد تطورات عقارية.
وشدد شقير على أن عام 2026 يمثل نافذة استثمارية تاريخية، مدفوعة بالتقاء نادر لثلاثة عوامل قوية: النمو المستدام، والتحول الهيكلي، والدعم الحكومي غير المسبوق—وهو مزيج أدى تاريخياً إلى خلق ثروات طويلة الأجل.
وتوقع أن يتجاوز النمو الصناعي عتبة 10% في الأشهر المقبلة، مدعوماً بتسارع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة الاكتتابات العامة الأولية في القطاع الصناعي، مشيراً إلى أن السوق لا يزال في المراحل الأولى من مساره الصاعد.
وفي الختام، قدم شقير رؤية استثمارية استراتيجية: تجنب التركيز المفرط في قطاع واحد، ومراقبة ديناميكيات أسعار النفط عن كثب، وإعطاء الأولوية للشركات ذات التدفقات النقدية القوية. وأكد أن الثروة لا تُبنى عندما تصبح الفرص واضحة، بل عند بدايتها—وأولئك الذين يدخلون هذا العصر الصناعي الجديد ببعد نظر وانضباط سيكونون من بين أكبر المستفيدين خلال العقد القادم.