تواصل معنا
newsletter

سامر شقير: تقييد المركبات الملوثة في لندن يُحوِّل جودة الهواء من ملف بيئي إلى مُتغير في تخصيص رأس المال

سامر شقير: تقييد المركبات الملوثة في لندن يُحوِّل جودة الهواء من ملف بيئي إلى مُتغير في تخصيص رأس المال

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن تجربة منطقة الانبعاثات فائقة الانخفاض في لندن كشفت أن جودة الهواء لم تعد ملفًا بيئيًّا منفصلًا عن الاقتصاد، بعدما ارتبطت بتحسن قابل للقياس في نمو وظائف الرئة لدى الأطفال، وفق دراسة طولية نُشرت في أغسطس 2026 في دورية لانسيت للصحة العامة.

وأوضح شقير، أن التداعيات الاستثمارية تمتد إلى إعادة تسعير أساطيل المركبات، وتسريع التحول إلى التنقل منخفض الانبعاثات، وخفض الأعباء الصحية طويلة الأجل، وإعادة تقييم جاذبية المدن كأصول اقتصادية، مؤكدًا أن المستثمرين المؤسسيين بدأوا ينظرون إلى جودة الهواء باعتبارها عاملًا يؤثر في إنتاجية رأس المال البشري وتكاليف الرعاية الصحية والعقارات واللوجستيات.

لندن تختبر أثر السياسة على صحة الأطفال

وأشار سامر شقير، إلى أن لندن بدأت تطبيق رسوم على المركبات الأقدم والأكثر تلويثًا منذ أبريل 2019، قبل توسعة المنطقة تدريجيًّا حتى غطت العاصمة بالكامل في 2023.

وأوضح شقير، أن الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كوين ماري في لندن بالتعاون مع إمبريال كوليدج لندن وجامعات أخرى، تابعت أكثر من 3400 طفل تتراوح أعمارهم بين السادسة والتاسعة، عبر 84 مدرسة في لندن ولوتون للمقارنة.

وأضاف شقير، أن نمو حجم الزفير القسري في الثانية الأولى، وهو أحد مؤشرات وظائف الرئة، تسارع في لندن بنحو 10 ملليلترات سنويًّا مقارنة بمجموعة المقارنة، حتى تقاربت المستويات بين المدينتين، فيما تراجعت نسبة الأطفال ذوي الوظيفة الرئوية المتدهورة سريريًّا من 14% إلى 9% في لندن، مقابل انخفاضها من 9% إلى 7% في لوتون.

ولفت شقير، إلى أن تعرض الأطفال لثاني أكسيد النيتروجين تراجع في لندن بوتيرة أسرع بنحو الضعف، مؤكدًا أن أهمية النتائج بالنسبة للمستثمر لا تكمن في العنوان الصحي فقط، بل في ارتباط تدخل سعري على استخدام أصل ملوث بأثر بيولوجي قابل للقياس خلال فترة استثمارية محدودة نسبيًّا.

جودة الهواء تدخل نماذج الاستثمار

وقال سامر شقير: إن المدن كانت تُقيّم تقليديًّا وفق أسعار العقارات وكثافة الوظائف وكفاءة البنية التحتية وتكلفة التمويل، بينما ظلت جودة الهواء أقرب إلى تقارير الاستدامة منها إلى نماذج التدفقات النقدية.

وأوضح شقير، أن ضعف نمو الرئة في الطفولة يرتبط لاحقًا بارتفاع احتمالات الأمراض التنفسية والقلبية والوفيات المبكرة، بما يعني ارتفاع الإنفاق الصحي وخفض أيام العمل والعائد على رأس المال البشري على مدى عقود.

وأشار شقير، إلى أن تقديرات مستقلة ربطت بين سياسات لندن وتراجع الوفيات المنسوبة إلى تلوث الهواء بنحو 40% بين 2019 و2024، مع انخفاض تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين بنحو 41% والجسيمات الدقيقة بنحو 28%، رغم استمرار العبء الاقتصادي للتلوث بمليارات الجنيهات سنويًّا.

وقال شقير: «إن المستثمر الذي ينظر إلى منطقة منخفضة الانبعاثات كضريبة سياسية يفوّت المتغير الحقيقي: إعادة تسعير تكلفة تشغيل الأسطول وإعادة تسعير صحة القوة العاملة المستقبلية في المدينة نفسها».

أربع قنوات لتدفقات رأس المال

وأوضح سامر شقير، أن نظام المنطقة منخفضة الانبعاثات يؤثر في الأسواق عبر أربع قنوات رئيسية؛ أولها دوران أسطول المركبات، بعدما ارتفعت نسبة المركبات المطابقة للمعايير إلى نحو 97% في يوم متوسط، مع سحب عشرات الآلاف من المركبات غير المطابقة عبر برامج الإحلال.

وتتمثل القناة الثانية في زيادة الطلب على المركبات الأنظف والكهربائية، والثالثة في تغير أنماط التنقل نحو النقل العام والمشي لدى بعض الشرائح، بينما تتعلق الرابعة بإعادة تسعير محتملة للعقارات وفق جودة البيئة إلى جانب قربها من وسائل النقل.

وأكد شقير، أن ذلك لا يلغي الكلفة، إذ تتحمل الأسر منخفضة الدخل وبعض أنشطة النقل الخفيف جانبًا من الرسوم، كما تواجه أساطيل الشحن الحضري ضغوطًا بسبب بطء التحول الكهربائي.

المستفيدون والمتضررون

وأشار سامر شقير، إلى أن شركات السيارات القادرة على تسريع مبيعات المركبات منخفضة الانبعاثات، ومشغلي الحافلات الكهربائية، ومصنعي أجهزة الاستشعار ومراقبة جودة الهواء، ومقدمي خدمات إدارة الأساطيل، قد تستفيد من تشديد المعايير.

في المقابل، تواجه المركبات القديمة واللوجستيات غير المحدثة والبلديات التي تمتلك أساطيل متقادمة ضغوطًا تشغيلية وتمويلية أكبر.

وحذر شقير من «مطاردة السرد دون فحص التدفق النقدي»، موضحًا أن «الاستثمار الاستراتيجي هنا ليس مراهنة أخلاقية على هواء أنظف، بل سؤال عن من يمتلك البنية التي تجعل الامتثال رخيصًا ومن يدفع غرامة يومية إلى ما لا نهاية».

أربع طبقات للفرص الاستثمارية

وقال سامر شقير: إن فرص الاستثمار لا تقتصر على المركبات الكهربائية، بل تمتد إلى أربع طبقات: التنقل، وتشمل المركبات والبطاريات والشحن والحافلات والشاحنات وإدارة الأساطيل، والمدينة، وتشمل أنظمة المراقبة وبيانات جودة الهواء وتسعير الازدحام وإعادة تصميم الشوارع، والصحة، وتشمل الوقاية التنفسية وتشخيص وظائف الرئة وخفض التكلفة المستقبلية للرعاية؛ والأصول الحقيقية، مثل العقارات الواقعة في مناطق هواء أفضل والمراكز اللوجستية ومرافق الشحن.

وأضاف شقير، أن صناديق الاستثمار الخاصة ورأس المال الجريء قد تجد فرصًا في برمجيات تشغيل الأساطيل وتحليل بيانات الاستشعار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لإدارة المدن، مع ضرورة مراعاة استمرارية السياسات وعدم بناء التقييمات على تشديد تنظيمي مؤقت.

السعودية والخليج أمام فرصة مختلفة

وأوضح سامر شقير، أن التجربة البريطانية لا تعني استنساخها في الخليج، وإنما تقدم درسًا يرتبط برؤية 2030 وجودة الحياة والتصنيع والتنويع.

وأشار شقير، إلى استثمارات صندوق الاستثمارات العامة في لوسيد وسير، إضافة إلى شركة إيفيك للبنية التحتية للشحن، التي تستهدف نشر آلاف نقاط الشحن السريع بحلول 2030، مؤكدًا أن مشروعات مثل الرياض ونيوم تُسعَّر جزئيًّا وفق جودة المعيشة وقدرتها على جذب الكفاءات والاستثمار الأجنبي، قائلًا: إن المدن الخليجية تواجه عوامل مختلفة، مثل الغبار والعواصف والجزر الحرارية والنمو السكاني، لكن المنطق الاقتصادي متقارب: خفض انبعاثات المرور قد يرفع جودة رأس المال البشري إلى جانب خفض الانبعاثات.

المخاطر لا تختفي

وحذر سامر شقير من خمسة مخاطر رئيسية، تشمل صعوبة إثبات السببية الكاملة بين السياسة وتحسن وظائف الرئة، وتوزيع تكلفة التحول بصورة غير متوازنة، واحتمال التراجع السياسي عن القيود، والضغط على الشركات التقليدية، وصعوبة تمويل إحلال المركبات في الأسواق الناشئة.

وأكد شقير، أن أي تخصيص لرأس المال يتجاهل هذه المخاطر قد يحول قصة صحية حقيقية إلى فقاعة تقييم.

النظرة الاستراتيجية

واختتم سامر شقير بأن «الأثر الاستثماري الأعمق لتجربة لندن هو نقل جودة الهواء من هامش تقارير الاستدامة إلى نماذج رأس المال البشري والعقار والتنقل».

وأضاف شقير، أن السؤال بالنسبة للمؤسسات الخليجية ليس استنساخ تجربة لندن، بل بناء منظومة تجعل المركبة النظيفة الخيار الأقل تكلفة تشغيليًّا عبر التصنيع والشحن والنقل العام والبيانات وتمويل الإحلال، مؤكدًا أن «الأسواق التي تفهم جودة الهواء كمسألة تخصيص رأس مال، لا كمسألة علاقات عامة، ستكون أقرب إلى تسعير العائد الحقيقي لصحة المدن في الدورة الاستثمارية المقبلة».