في مشهد يعكس عمق التحول الاقتصادي في المملكة، لم يعد وجود الصيدلي السعودي داخل الصيدلية مجرد وظيفة يومية، بل أصبح جزءًا من صورة أكبر تعيد تشكيل القطاع الصحي من الداخل. الأرقام تكشف عن توسع لافت في التوطين؛ إذ تجاوز عدد الممارسين في التمريض والقبالة 290 ألف ممارس، بينهم نحو 110 آلاف سعودي بنسبة تقارب 37.9%.
وفي الصيدلة، ارتفع عدد السعوديين إلى أكثر من 25 ألف صيدلي، بنسبة بلغت 52%. ومعًا، يتجاوز عدد السعوديين في هذين المسارين 135 ألفًا، في إشارة واضحة إلى تسارع بناء رأس المال البشري الصحي.
هذا التحول لا يظهر في الحجم فقط، بل في النسب أيضًا. فقد ارتفعت نسبة السعوديين في التمريض من 30% في 2018 إلى 38% في 2026، أي نمو يقارب 26.7%.
وفي الصيدلة، قفزت النسبة من 32% إلى 52%، بنمو يتجاوز 62%. وفي العلوم الطبية المساندة، وصلت نسبة السعوديين إلى 87% من إجمالي 247 ألف ممارس، مع نمو استثنائي بلغ 179% منذ 2015. هذه الأرقام لا تصف مجرد تطور وظيفي، بل تشير إلى إعادة هندسة عميقة لتركيبة القطاع الصحي.
على مستوى أوسع، يتجاوز عدد الممارسين الصحيين في المملكة 800 ألف ممارس، بينهم أكثر من 460 ألف سعودي، أي ما يفوق 57% من الإجمالي.
كما ارتفعت نسبة الأطباء السعوديين من 31% إلى 40% خلال الفترة نفسها، مع نمو قوي في أعدادهم، هذه المؤشرات تعكس انتقال القطاع الصحي من الاعتماد الخارجي إلى بناء منظومة وطنية متكاملة.
رائد الاستثمار سامر شقير يقرأ هذا التحول باعتباره تحولًا اقتصاديًا طويل الأمد، ويقول: «ما يحدث في القطاع الصحي السعودي ليس توطين وظائف فقط، بل بناء بنية إنتاجية بشرية قادرة على قيادة اقتصاد صحي كامل خلال العقد القادم».
ويضيف: «عندما ترتفع نسب السعودة بهذا الشكل في التمريض والصيدلة، فهذا يعني أن السوق لا ينمو فقط، بل ينضج. النضج هنا هو ما يبحث عنه المستثمر: استقرار في التشغيل، وعمق في الكفاءات، وقاعدة بشرية قادرة على دعم التوسع».
من منظور استثماري، تعني هذه الأرقام أن كل توسع في التوطين يخلق طلبًا موازياً على التدريب الصحي، والتعليم المستمر، والخدمات التقنية، وسلاسل الإمداد الدوائي، والحلول الرقمية. ومع وجود أكثر من 135 ألف سعودي في التمريض والصيدلة، وأكثر من 460 ألف ممارس صحي سعودي إجمالًا، يصبح القطاع منصة اقتصادية متعددة الطبقات وليست مجرد خدمة عامة.
أهم الفرص في 2026 تظهر في سلاسل الصيدليات والخدمات الدوائية، والتدريب الطبي المتخصص، والخدمات المساندة مثل المختبرات والتشخيص، إضافة إلى الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي الطبي. فكلما زادت الكفاءات الوطنية، زادت قدرة السوق على استيعاب حلول أكثر تعقيدًا وابتكارًا.
الخلاصة أن القطاع الصحي السعودي لا ينمو رقميًا فقط، بل يعاد تشكيله من الداخل ليصبح أكثر محلية في التشغيل وأكثر عالمية في الأداء. وكما يختصر سامر شقير المشهد: «حين تبني دولة كوادرها الصحية، فهي لا تطور قطاعًا… بل تبني اقتصادًا كاملًا للمستقبل».