قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن التطورات الأخيرة في قطاع الألماس العالمي تعكس تحولات استراتيجية تتجاوز حدود صناعة التعدين التقليدية، موضحًا أن سعي بوتسوانا للاستعانة بالإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان للاستحواذ على حصة استراتيجية في شركة “دي بيرز” من شركة “أنغلو أمريكان” يمثل مؤشرًا واضحًا على دخول الصناعة مرحلة جديدة عنوانها السيطرة على سلاسل القيمة العالمية.
وأوضح شقير، أن سوق الألماس العالمي يواصل النمو رغم التحديات الاقتصادية، حيث تشير التوقعات إلى وصول حجمه إلى نحو 44.1 مليار دولار خلال عام 2026، مع معدل نمو سنوي مركب يبلغ 2.7%، ما يدفع السوق إلى مستوى 53.16 مليار دولار بحلول عام 2033.
وأضاف شقير، أن هذه الأرقام تطرح سؤالًا مهمًا أمام المستثمرين السعوديين والخليجيين حول كيفية تحويل هذه التحولات العالمية إلى فرص استثمارية استراتيجية تدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 وتسهم في تسريع التنويع الاقتصادي.
من استخراج الموارد إلى السيطرة على القيمة المضافة
وأوضح سامر شقير، أن ما تشهده بوتسوانا حاليًا يمثل نموذجًا متقدمًا للتحول من مجرد دولة منتجة للموارد الطبيعية إلى لاعب مؤثر في حلقات التسعير والتسويق العالمية.
وأشار شقير، إلى أن بوتسوانا، التي تعد من أكبر منتجي الألماس في العالم من حيث القيمة، تمتلك حاليًا حصة تبلغ 15% في شركة “دي بيرز”، إضافة إلى 50% من مشروع “ديبسوانا” المشترك، مضيفًا أن الرئيس دوما بوكو يسعى إلى رفع هذه الحصة إلى مستوى الأغلبية من خلال الاستعانة بشركاء خليجيين موثوقين لتمويل صفقة تقدر قيمتها بين 3 و5 مليارات دولار.
وأكَّد شقير، أنَّ هذه الخطوة لا تهدف فقط إلى حماية المصالح الوطنية، بل تسعى أيضًا إلى تعزيز النفوذ في عمليات تسعير الألماس الخام وتسويقه عالميًّا، خاصة في ظل التحديات التي تواجه القطاع نتيجة تراجع الطلب العالمي وازدياد المنافسة من الألماس المصنع مخبريًّا.
وبيَّن شقير، أنَّ نجاح هذه الاستراتيجية قد يدعم استقرار أسعار الألماس الطبيعي أو ارتفاعها على المدى المتوسط، كما يفتح المجال أمام فرص استثمارية جديدة في الأنشطة المرتبطة بسلسلة القيمة مثل اللوجستيات، وتتبع المنشأ، والتمويل التجاري، والتصنيع اللاحق.
الخليج يعزز حضوره في سلاسل القيمة العالمية
وأشار سامر شقير، إلى أن اختيار بوتسوانا للإمارات وسلطنة عمان كشريكين استراتيجيين لم يكن أمرًا عشوائيًّا، بل جاء نتيجة لما تمتلكه دول الخليج من خبرات متراكمة في تجارة السلع الثمينة والتمويل السيادي وإدارة المناطق الحرة المتخصصة.
وأوضح شقير، أن مراكز مثل مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC) ساهمت في تعزيز مكانة المنطقة عالميًّا في تجارة المعادن والأحجار الكريمة، وهو ما يجعل الخليج شريكًا طبيعيًّا في مثل هذه الصفقات الاستراتيجية، لافتًا إلى أن هذه التطورات تفتح المجال أمام المملكة العربية السعودية للمشاركة في مشاريع مماثلة مستقبلًا سواء بشكل مباشر أو من خلال شراكات خليجية مشتركة في قطاعات الألماس والمعادن الثمينة الأخرى.
ولفت شقير، إلى أن هذه الفرص تدعم فكرة إنشاء مراكز إقليمية متخصصة في قطع وصقل الألماس وتصنيع المجوهرات داخل المملكة، مستفيدة من البنية التحتية المتطورة والمناطق الاقتصادية الخاصة التي يجري تطويرها ضمن رؤية 2030.
رؤية 2030 تضع التعدين في قلب الاقتصاد المستقبلي
وأكَّد سامر شقير، أنَّ قطاع التعدين أصبح أحد أهم ركائز التحول الاقتصادي في المملكة العربية السعودية، موضحًا أن رؤية 2030 تستهدف تحويل التعدين إلى الركيزة الثالثة للاقتصاد الوطني إلى جانب النفط والبتروكيماويات، مع العمل على رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 240 مليار ريال سعودي بحلول عام 2030، إضافة إلى توفير 200 ألف وظيفة مباشرة.
وأشار شقير، إلى أن الإصلاحات التنظيمية التي شهدها القطاع كان لها أثر كبير في جذب الاستثمارات، حيث أدى قانون التعدين الجديد إلى خفض الضرائب من 45% إلى 20%، مضيفًا أن الاستثمارات الاستكشافية ارتفعت بمقدار خمسة أضعاف لتتجاوز مليار ريال خلال عام 2024، في حين يواصل صندوق الاستثمارات العامة توسيع حضوره العالمي عبر شركة “منارة للمعادن” المشتركة مع “معادن”، والتي تستهدف استثمار ما بين 25 و30 مليار دولار في مشاريع تعدين دولية خلال العقد المقبل.
وبيَّن شقير، أن النموذج السعودي يتشابه مع النموذج الذي تسعى بوتسوانا إلى تطبيقه من حيث التركيز على السيطرة على كامل سلسلة القيمة، بدءًا من الاستكشاف والاستخراج ووصولًا إلى التصنيع والتسويق، إلا أن المملكة تمتلك إمكانات مالية ولوجستية وسياسية تمكنها من تنفيذ هذه الرؤية على نطاق أوسع وأكثر تنوعًا.
سامر شقير: فرصة تاريخية لإعادة تموضع المحافظ الاستثمارية
وقال سامر شقير: إن ما يحدث في بوتسوانا يؤكد أهمية الشراكات الاستراتيجية الإقليمية في السيطرة على الأصول الحيوية، وفي المملكة العربية السعودية، ومن خلال رؤية 2030 والدعم الكبير الذي يوفره صندوق الاستثمارات العامة، نمتلك القدرة على بناء نموذج مماثل أو أكثر تقدمًا في قطاع التعدين والصناعات التحويلية المرتبطة به، مع فرص واسعة للتعاون مع شركائنا في الإمارات وسلطنة عمان.
وأضاف شقير :”نوصي المستثمرين السعوديين والخليجيين بالنظر بجدية إلى الصناعات اللاحقة للتعدين، بما في ذلك تصنيع المجوهرات الفاخرة والأحجار الكريمة، هذه القطاعات تستفيد من النمو المتسارع في السياحة والترفيه والمشاريع العملاقة مثل البحر الأحمر والقدية، كما توفر فرصًا لتحقيق عوائد استثمارية متنوعة تدعم التنويع الاقتصادي غير النفطي”.
وأشار شقير، إلى أن التوقعات بوصول سوق الألماس العالمي إلى أكثر من 53 مليار دولار بحلول عام 2033 تفتح المجال أمام فرص كبيرة في التكنولوجيا المرتبطة بالشفافية والاستدامة وتتبع المنشأ.
وقال شقير: إنه مع تزايد اهتمام المستهلكين، وخاصة الأجيال الشابة، بالمنتجات الأخلاقية والمسؤولة اجتماعيًّا، فإن الاستثمار في الحلول التقنية التي تضمن شفافية سلسلة التوريد أصبح يمثل فرصة استراتيجية واعدة.
وأوضح شقير، أن الاستثمارات المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة أو تلك التي تتم عبر شراكات خليجية ودولية استراتيجية ستكون من أهم المحركات لبناء الثروات طويلة الأجل خلال العقود المقبلة، مضيفًا: “نلاحظ بالفعل تزايد اهتمام المكاتب العائلية والعائلات ذات الثروات الكبيرة بالاستثمار في مشاريع التعدين وسلاسل القيمة المرتبطة بها، وهو اتجاه نتوقع استمراره خلال السنوات المقبلة”.
توصيات استراتيجية للمستثمرين بين 2026 و2030
وقدَّم سامر شقير عددًا من التوصيات العملية للمستثمرين وصناع القرار خلال المرحلة المقبلة:
متابعة تطورات صفقة دي بيرز
أوصى بمراقبة نتائج عملية بيع حصة “أنغلو أمريكان” في شركة “دي بيرز” وتأثير دخول الشركاء الخليجيين المحتملين، مع دراسة فرص الاستثمار غير المباشر المرتبطة بالصفقة.
الاستثمار في الصناعات التحويلية
شدد على أهمية دراسة إنشاء أو المشاركة في مشاريع قطع وصقل الألماس وتصنيع المجوهرات داخل المدن الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة في المملكة.
التركيز على التكنولوجيا والاستدامة
دعا إلى الاستثمار في الشركات الناشئة والتقنيات الحديثة، بما في ذلك حلول البلوك تشين المستخدمة في تتبع الألماس والتحقق من منشأه، إضافة إلى تقنيات التمويل التجاري المتخصصة.
الاستفادة من فرص منارة للمعادن ومعادن
أوصى بدراسة الفرص الاستثمارية التي تتيحها المشاريع الدولية المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة عبر شركة “منارة للمعادن” وشركة “معادن”.
تعزيز الشراكات الخليجية
أكَّد أهمية استكشاف فرص التعاون مع المستثمرين في الإمارات وسلطنة عمان للمشاركة في صفقات استراتيجية مماثلة أو تطوير مراكز تجارية إقليمية للأحجار الكريمة والمعادن الثمينة.
اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة
واختتم سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن التحولات الحالية في صناعة الألماس العالمية تمثل نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مستدامة من خلال الرؤية الاستراتيجية والشراكات الفعالة.
وأوضح شقير، أن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم جميع المقومات التي تؤهلها للعب دور رئيسي في إعادة تشكي…