أوضح رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ الصورة التي نشرتها مجلة «نيوزويك» في أواخر أبريل 2026، والتي تُظهر أثرياء العالم وهم يبتعدون عن وجه بنيامين فرانكلين على الدولار الأمريكي متجهين نحو أفق جديد، لم تكُن مجرذَد تعبير فني، بل كانت تجسيدًا لتحوُّل استراتيجي عميق.
وأشار شقير، إلى أن الأثرياء فائقي الثراء، الذين تتجاوز ثرواتهم 30 مليون دولار، كانوا يعيدون صياغة طريقة توزيع ثرواتهم، معلنين نهاية عصر الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة كمركز وحيد للاستثمار.
التَّحوُّل الجوهري.. من التمركز في أمريكا إلى التنويع العالمي
وذكر سامر شقير، أن البيانات الحديثة، خاصة تقرير «Knight Frank Wealth Report 2026»، أظهرت نموًا في عدد الأثرياء فائقي الثراء بنسبة 29.5% بين عامي 2021 و2026، ليصل العدد إلى 713,626 فردًا، بمعدل 89 شخصًا جديدًا يوميًّا يتجاوزون حاجز 30 مليون دولار.
وأضاف شقير، أن التوقعات كانت تشير إلى وصول إجمالي ثرواتهم إلى أكثر من 80 تريليون دولار بحلول عام 2030.
وشدَّد شقير، على أن الأهم من الأرقام هو التغير في السلوك، حيث بدأ هؤلاء المستثمرون في توزيع أصولهم عبر 3 إلى 5 مناطق جغرافية، بدلًا من تركيز ما بين 70% و80% في الولايات المتحدة كما كان شائعًا في السابق.
وأشار شقير إلى أن تقرير «Henley & Partners» لعام 2025 رصد انتقال 142 ألف مليونير إلى دول أخرى، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 165 ألفًا في 2026، مؤكدًا أن هذا الاتجاه لم يكُن هروبًا، بل إعادة تموضع بحثًا عن ما وصفه بـ«علاوة الاستقرار».
لماذا أعاد الأثرياء تقييم السوق الأمريكية؟
وأوضح سامر شقير، أن هناك عدة عوامل دفعت إلى هذا التحوُّل، حيث أشار إلى أن البيئة الضريبية في ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك كانت تشهد ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع الضرائب والنقاش حول فرض ضرائب على الثروة، ما أثر على العائد الصافي.
وأضاف شقير، أن حالة عدم اليقين السياسي والجيوسياسي، إلى جانب التغيُّر المستمر في السياسات مع كل دورة انتخابية، دفعت المستثمرين إلى البحث عن خطط بديلة عالمية.
ولفت شقير، إلى أن القيود المفروضة على حركة رأس المال والتكنولوجيا، بما في ذلك تشديد الرقابة على الاستثمارات الأجنبية، كانت تحد من حرية المستثمرين.
وأكَّد شقير، أنَّ النموذج القديم القائم على التركيز العالي في سوق واحدة أصبح يُمثِّل مخاطرة، مما دفع الأثرياء إلى تبني استراتيجيات توزيع أكثر توازنًا.
خريطة رأس المال الجديدة.. الوجهات الصاعدة في 2026
وأشار سامر شقير، إلى أن هذا التحوُّل فتح المجال أمام مناطق جديدة لتتصدر المشهد، حيث برزت دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات، كوجهات رئيسية لرأس المال العالمي.
وأضاف شقير، أن سنغافورة عززت مكانتها كمركز آسيوي مستقر، بينما ظهرت دول جنوب أوروبا عبر برامج الإقامة مقابل الاستثمار كخيارات جذابة، لكنه أكد أن السعودية لم تعد مجرَّد وجهة استثمار، بل تحوَّلت إلى صانع سوق ومغناطيس لرأس المال، بفضل التحولات الاقتصادية العميقة.
السعودية.. منصة استثمار عالمية تقودها رؤية 2030
وأوضح سامر شقير، أن المملكة حققت تحولًا لافتًا، حيث بلغ إسهام القطاع غير النفطي نحو 55% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
وأضاف شقير، أن صندوق الاستثمارات العامة ساهم بأكثر من 243 مليار دولار في نمو هذا القطاع بين عامي 2021 و2024، وهو ما يُمثِّل نحو 10% من إجمالي الناتج غير النفطي في 2024 وثلث نموه.
وأشار شقير، إلى أن الصندوق استثمر أكثر من 199 مليار دولار في مشاريع داخلية جديدة بين 2021 و2025، لترتفع أصوله تحت الإدارة إلى نحو 900 مليار دولار، مؤكدًا أن الإصلاحات شملت تسهيل دخول المستثمر الأجنبي عبر برنامج QFI، إلى جانب التوجُّه نحو ترميز الأصول، ودعم مشاريع كبرى في السياحة والمدن الذكية والطاقة المتجددة والتقنية.
وأوضح رائد الاستثمار، أنَّ هذا النموذج يجمع بين النمو المرتفع والاستقرار والدعم الحكومي، وهو ما يجذب رؤوس الأموال الباحثة عن عوائد حقيقية مع مخاطر محسوبة.
رؤية سامر شقير.. نهاية المركز الواحد وبداية الشبكات الاستثمارية
وأكَّد سامر شقير، أنَّ ما يحدث لم يكُن خروجًا من الولايات المتحدة، بل نهاية لفكرة الاعتماد على مركز واحد، مشيرًا إلى أن رأس المال أصبح يبحث عن بيئات توفر حرية الحركة ووضوح القواعد وعوائد مرتبطة بالنمو الحقيقي.
وأضاف شقير، أنَّ المستثمر الذكي لم يعد يطارد الأسواق، بل يسعى لبناء شبكات علاقات داخل الأنظمة الاقتصادية الصاعدة، موضحًا أن الاستثمار في الخليج يبدأ غالبًا ببناء العلاقة قبل إتمام الصفقة.
وأشار شقير، إلى أن السعودية أصبحت لاعبًا رئيسيًّا في تشكيل الأسواق العالمية، خاصةً في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والسياحة الفاخرة.
الفرص الاستثمارية المباشرة في الخليج
ذكر سامر شقير، أنَّ هناك عدة مسارات واعدة للمستثمرين، من بينها الشراكة في مشاريع صندوق الاستثمارات العامة، والاستثمار في العقارات مع الاتجاه نحو ترميز الأصول، إضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية التقنية والذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى قطاع السياحة والضيافة، خاصة المشاريع الكبرى مثل نيوم والبحر الأحمر، التي توفر فرصًا بعوائد طويلة الأجل.
تصحيح مهم.. ليس هروبًا من أمريكا بل إعادة توازن
شدَّد سامر شقير، على أنه لا توجد مؤشرات على هروب جماعي من الولايات المتحدة، موضحًا أنها لا تزال تستحوذ على نحو 35% من الأثرياء فائقي الثراء عالميًّا، مقارنة بـ33% في 2021.
وأكَّد شقير، أنَّ ما يحدث هو إعادة توزيع للمخاطر وبناء استراتيجيات استثمار متعددة الجنسيات، وليست قطيعة مع السوق الأمريكية.
بداية عصر جديد لرأس المال العالمي
واختتم سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن العالم لا يشهد نهاية الولايات المتحدة، بل نهاية احتكارها لرأس المال العالمي.
وأوضح شقير، أنَّ المملكة العربية السعودية تتحرَّك بسرعة لتصبح أحد أبرز مراكز الاستثمار والثروة في العقد المقبل، مدعومة برؤية 2030 والإصلاحات الهيكلية.
وأشار شقير، إلى أن الفرصة أصبحت متاحة أمام المستثمرين في الخليج لبناء ثروات مستدامة، مؤكدًا أن جوهر الاستثمار في المنطقة يقوم على فهم العلاقات قبل الأرقام، وهو ما يجعلها أكثر جاذبية في عصر رأس المال المتنقل.