تواصل معنا
Market Insights

سامر شقير: هل يفقد مضيق هرمز هيمنته الاقتصادية؟

a
admin
سامر شقير: هل يفقد مضيق هرمز هيمنته الاقتصادية؟

إن السردية المتزايدة حول “نهاية عصر مضيق هرمز” لا ينبغي اعتبارها مجرد مبالغة إعلامية. فوفقاً لإستراتيجي الاستثمار سامر شقير، تعكس هذه السردية تحولاً إستراتيجياً عميقاً في مشهد الطاقة والتجارة العالمي. يعيد العالم حالياً تقييم نقاط الاختناق الجيوسياسية التي دعمت تدفق النفط والتجارة لفترة طويلة—وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.

إن ما يغير المعادلة بشكل جذري هو الإدراك بأن الاعتماد على نقطة عبور واحدة لم يعد مخاطرة إستراتيجية مقبولة. لقد أثبتت التوترات الجيوسياسية المتكررة في الخليج—خاصة تلك التي تشمل إيران—مراراً وتكراراً كيف يمكن حتى للاضطرابات المؤقتة أن تؤدي إلى صدمات فورية في أسواق الطاقة العالمية. وهذا الواقع يدفع الحكومات والشركات على حد سواء للبحث عن بدائل أكثر أماناً وتنوعاً.

التحول الهيكلي للطاقة: نهاية الاحتكار اللوجستي

في الوقت نفسه، يمر العالم بتحول هيكلي في أنظمة الطاقة؛ فصعود الغاز الطبيعي المسال (LNG)، وتسارع تبني الطاقة المتجددة، والتراجع التدريجي لهيمنة النفط المنقول بحراً، كلها عوامل تعيد تشكيل التبعيات العالمية.

هذا لا يعني نهاية عصر النفط، ولكنه يمثل نهاية الاحتكارات اللوجستية التي كانت تحتفظ بها مجموعة محدودة من الممرات البحرية.

يقدم التاريخ سابقة واضحة؛ فقد كانت قناة السويس يوماً ما العمود الفقري للتجارة العالمية، ومع ذلك فهي تواجه اليوم منافسة من طرق القطب الشمالي ومبادرات الربط البري بين آسيا وأوروبا. والدرس واضح: لا يوجد ممر إستراتيجي يحتفظ بهيمنته إلى الأبد—بل يتطور دوره جنباً إلى جنب مع التكنولوجيا، والجيوسياسة، والأولويات الاقتصادية.

المملكة العربية السعودية: من جغرافيا العبور إلى القيادة الإستراتيجية

ضمن هذا المشهد المتطور، يحدد شقير المملكة العربية السعودية كواحدة من المستفيدين الرئيسيين من هذا التحول الجيواقتصادي. إن موقعها الجغرافي الإستراتيجي—الذي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، مع وصول مباشر إلى البحر الأحمر—يضعها في قلب أي إعادة تشكيل مستقبلية لسلاسل التوريد العالمية.

ومع ذلك، ليست الجغرافيا وحدها هي العامل الحاسم؛ فما يميز المملكة هو الوتيرة غير المسبوقة لتطوير البنية التحتية، بما في ذلك:

توسعة الموانئ الكبرى

تطوير مناطق لوجستية متطورة

المشاريع العملاقة مثل نيوم

هذه المبادرات تشير إلى أن المملكة العربية السعودية لا تكتفي بمراقبة التحول العالمي، بل تعمل بنشاط على تشكيله. وهذا يعكس رؤية اقتصادية طويلة المدى تهدف إلى الانتقال من اقتصاد مصدر للموارد إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.

آفاق الاستثمار: الخدمات اللوجستية كـ “نفط جديد”

من منظور استثماري، تمتد الفرص إلى ما هو أبعد من قطاع واحد. يصف شقير الخدمات اللوجستية بأنها “نفط المستقبل”، مدفوعة بالنمو السريع في التجارة العالمية وإعادة هيكلة سلاسل التوريد.

تشمل مجالات الفرص الرئيسية ما يلي:

البنية التحتية للخدمات اللوجستية والنقل

شبكات خطوط الأنابيب كبدائل إستراتيجية لنقاط الاختناق البحرية

مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر

العقارات الصناعية، بما في ذلك المستودعات ومراكز التوزيع والمراكز اللوجستية

وأشار إلى أن العقارات الصناعية، على وجه الخصوص، غالباً ما يتم تسعيرها بأقل من قيمتها مقارنة بنمو الطلب، مما يجعلها استثماراً جذاباً على المدى المتوسط إلى الطويل.

وفي الأسواق المالية، تقع الشركات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية—مثل أرامكو، وسابك، والشركات اللوجستية الكبرى—في قلب هذا التحول.

الواقع الإستراتيجي: تراجع الهيمنة لا الأهمية

شدد شقير على تمييز بالغ الأهمية: من غير المرجح أن يفقد مضيق هرمز أهميته بالكامل خلال العقد المقبل—ولكن من المرجح أن يفقد جزءاً كبيراً من قوته الاحتكارية.

بالنسبة للمستثمرين، فإن الفرق بين “فقدان الأهمية” و”فقدان الهيمنة” أمر جوهري؛ إذ يعني الأخير تنويع طرق الإمداد، وليس انهيار النظام الحالي.

إستراتيجية الاستثمار: التنويع في عالم متعدد المسارات

في ضوء هذا التحول، يدعو شقير إلى إستراتيجية استثمار متوازنة تعتمد على:

التنويع عبر أصول البنية التحتية والطاقة والأصول الصناعية

تقليل التعرض المفرط لطرق عبور النفط التقليدية

تخصيص رأس المال للقطاعات المتوافقة مع التغيير الهيكلي طويل المدى

الخاتمة: من نقاط الاختناق إلى الشبكات

إن ما يشهده العالم ليس مجرد تغيير في مسارات الشحن، بل هو إعادة هندسة كاملة للنظام الاقتصادي العالمي. ينتقل التحول من الاعتماد على نقاط اختناق محدودة إلى نموذج قائم على الشبكات والمسارات المتعددة للتجارة وتدفق الطاقة.

وفي هذا التحول، تنتقل بعض الدول من كونهـا مجرد نقاط عبور لتصبح قادة إستراتيجيين. وتقف المملكة العربية السعودية في قلب هذا الانتقال التاريخي—ليس كمتفرج، بل كمهندس رئيسي يعيد صياغة قواعد الاقتصاد العالمي.

الكلمات المفتاحية: مضيق هرمز، الخدمات اللوجستية العالمية، رؤية 2030، تحول الطاقة، الممرات التجارية