في صورة حيَّة تُظهر عمال البناء وهم يرفعون هيكل منزل خشبي متعدد الطوابق وسط موقع إنشاءات واسع، مع جبال تطل في الأفق، يتجسَّد مشهد عالمي متناقض، نشاط بناء مستمر يقابله تراجع متزايد في القدرة على تحمُّل تكاليف السكن في العديد من الاقتصادات المتقدمة.
أزمة الإسكان العالمية.. عبء متصاعد على الدخل في الاقتصادات الكبرى
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إنَّ أزمة الإسكان لم تعد محلية أو هامشية، موضحًا أن تقرير “نيوزويك” استنادًا إلى دراسة WalletHub أظهر أن هاواي تتصدر الولايات الأمريكية من حيث عبء السكن، حيث يقترب الإنفاق على الإسكان والطاقة المنزلية من 50% من دخل أصحاب المنازل، مع مستويات مرتفعة كذلك في نيويورك وكاليفورنيا.
وأشار شقير، إلى أن الأزمة تمتد عالميًا، حيث يتجاوز 42% من الأسر في كندا إنفاق 40% أو أكثر من دخلها على السكن، بينما تسجل دول مثل أستراليا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا وعدد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أعباء بين 20% و30% من الدخل، وترتفع إلى أكثر من 40% لدى الأسر منخفضة الدخل في دول مثل اليونان وتشيلي وكولومبيا.
تآكل القدرة الشرائية.. اختلال متزايد في معادلة الدخل والسكن
وأوضح سامر شقير، أنَّ ارتفاع نسبة الأسعار إلى الدخل (Price-to-Income Ratio) في العديد من الاقتصادات أدى إلى تآكل القدرة الشرائية، وزيادة الضغط على الاستثمار العقاري التقليدي، خصوصًا في الأسواق المتقدمة التي تعاني من تشبع سعري وتباطؤ في النمو الحقيقي.
وأشار شقير، إلى أن الأزمات العالمية في الإسكان لا تعني نهاية الفرص، بل تُمثِّل إشارة واضحة لإعادة تموضع رؤوس الأموال نحو أسواق تمتلك محركات نمو هيكلية طويلة الأجل، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تحت مظلة رؤية 2030.
السوق الأمريكية.. ضغط الفائدة وارتفاع تكاليف التملك
ولفت سامر شقير، إلى أن البيانات الأمريكية تُظهر أن ارتفاع أسعار المنازل وتكاليف الرهون العقارية والطاقة جعل السكن قضية اقتصادية معقدة، حيث يستهلك الإسكان ما يقارب نصف الدخل في بعض الولايات، ما يقلل من مرونة الاستهلاك ويزيد حساسية السوق تجاه أسعار الفائدة.
وأضاف شقير، أنَّ الأزمة لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تمتد إلى كندا وأستراليا والمملكة المتحدة، حيث تتجاوز أعباء السكن 40% من الدخل في حالات عديدة، بينما يبلغ المتوسط في أوروبا نحو 22%، مع ارتفاع واضح لدى الفئات منخفضة الدخل، ما يعكس فجوة متزايدة بين الدخل وأسعار الأصول العقارية.
السعودية كنموذج مختلف.. توازن بين الدخل والسكن
وأكَّد سامر شقير، أنَّ المملكة العربية السعودية تُمثِّل حالة مختلفة، حيث يبلغ مؤشر السعر إلى الدخل نحو 3.1، وهو من أدنى المستويات عالميًّا مقارنة بأسواق مثل أستراليا وكندا التي تتجاوز فيها النسبة 5 إلى 10 في أسواقها الرئيسية.
وأشار شقير، إلى أن المملكة تستهدف رفع نسبة تملك الأسر إلى 70% بحلول 2030، وقد وصلت بالفعل إلى 65.4% بنهاية 2024، مدعومة ببرامج مثل “سكني” و”روشن” ومنظومة التمويل السكني، ما يعكس طلبًا حقيقيًّا مدعومًا بسياسات حكومية مباشرة.
اتجاهات الأسعار في 2026.. تصحيح محدود يخلق فرصًا استثمارية
وأوضح سامر شقير، أن بيانات الهيئة العامة للإحصاء تشير إلى انخفاض المؤشر العام لأسعار العقارات بنسبة 1.6% في الربع الأول من 2026 على أساس سنوي، مع تراجع القطاع السكني بنسبة 3.6%، مقابل ارتفاع القطاع التجاري بنسبة 3.4% والزراعي بنسبة 11.8%، وهو ما يُمثِّل إعادة تسعير انتقائية وليست انكماشًا عامًا.
وأضاف شقير، أنَّ هذا التراجع الجزئي في بعض القطاعات يفتح المجال أمام نقاط دخول أكثر جاذبية للمستثمرين، خصوصًا في الأصول ذات الطلب الحقيقي والمواقع الاستراتيجية داخل المدن الكبرى والمشاريع المستقبلية.
العقار السعودي ضمن منظومة اقتصادية متكاملة
وبيَّن سامر شقير، أنَّ القطاع العقاري في السعودية لم يعد قطاعًا منفصلًا، بل جزءًا من منظومة اقتصادية تشمل السياحة، والترفيه، والخدمات اللوجستية، والمدن الجديدة، ما يُعزز استدامة الطلب ويزيد من قوة العوائد على المدى الطويل.
ثلاث ركائز لقوة السوق العقارية السعودية
وأشار سامر شقير، إلى أن قوة السوق تعتمد على ثلاث ركائز أساسية: الطلب الهيكلي الناتج عن النمو السكاني وارتفاع الدخل، والانفتاح التنظيمي مع دخول تملك غير السعوديين حيز التنفيذ مطلع 2026، وإعادة التوازن السعري التي توفر فرصًا استثمارية دون الإخلال بالاتجاه الصاعد العام.
فرص المستثمر الخليجي.. أدوات تنويع واستثمار منظم
وأوضح شقير، أن الفرص الاستثمارية تشمل الصناديق العقارية المدرجة في “تداول”، والمشاريع الكبرى في الرياض ونيوم والبحر الأحمر، إضافة إلى الأصول المرتبطة بالسياحة والضيافة، والاستثمار طويل الأجل في أسواق الطلب الحقيقي.
السعودية كملاذ عقاري في اقتصاد عالمي مضغوط
واختتم سامر شقير، بأن الأزمة العالمية في الإسكان لا تُغلق أبواب الاستثمار، بل تُعيد توجيهها نحو الأسواق الأكثر وضوحًا في الرؤية والأكثر دعمًا في البنية التنظيمية، مؤكدًا أنَّ السعودية تُقدِّم نموذجًا مختلفًا يجمع بين الطلب الحقيقي والإصلاحات الهيكلية والانفتاح الاستثماري تحت مظلة رؤية 2030، ما يجعلها من أبرز وجهات الاستثمار العقاري عالميًّا في المرحلة المقبلة.