يرى رائد الاستثمار سامر شقير أن لحظات الاضطراب الجيوسياسي الكبرى لا تعيد تسعير المخاطر فقط، بل تعيد أيضاً تشكيل خريطة مراكز الثقل الاقتصادي عالميًا.
وفي سياق أزمة إيران في 2026، أشار شقير إلى أن السؤال لم يعد مرتبطًا بمن يمتلك النفوذ السياسي الأكبر، بل بمن يمتلك اقتصادًا أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص استثمارية طويلة الأجل.
وأوضح شقير أن تراجع هامش المناورة الروسي في الملف الإيراني يُعد مؤشرًا مهمًا على تحول أوسع في موازين التأثير الإقليمي والدولي، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها موسكو نتيجة حرب أوكرانيا والعقوبات والتعقيدات المرتبطة بالتحالفات الدولية.
وبيّن رائد الاستثمار أن هذا الواقع يدفع المستثمرين إلى التوجه نحو اقتصادات أكثر وضوحًا في الرؤية ومرونة في السياسات، وهو ما يجعل السعودية في مقدمة الوجهات الاستثمارية الأكثر جذبًا.
من الاضطراب الجيوسياسي إلى الفرص الاستثمارية
وأكد سامر شقير أن القراءة الاستثمارية للأزمات لا تبدأ من السياسة وحدها، بل من آثارها الممتدة على الطاقة وسلاسل الإمداد وثقة المستثمرين وتدفقات رأس المال. وكلما ارتفعت مستويات التوتر، زادت قيمة الأسواق التي تقدم استقرارًا مؤسسيًا وبنية تحتية متقدمة وأجندة تنويع اقتصادي قابلة للتنفيذ.
وفي هذا الإطار، أوضح شقير أن السعودية تبدو في موقع متقدم بفضل تحولها من اقتصاد يعتمد على الطاقة التقليدية إلى اقتصاد متعدد المحركات يشمل السياحة والخدمات اللوجستية والتقنية والصناعة والطاقة النظيفة والاقتصاد المعرفي، وهو ما يعزز قدرتها على الاستفادة من التحولات الجيوسياسية مقارنة بالاقتصادات الأكثر ارتهانًا للتقلبات الخارجية.
لماذا تتقدم السعودية في 2026؟
قال سامر شقير إن المملكة لم تعد تُقرأ فقط من منظور النفط، بل أصبحت تُفهم كقصة تحول اقتصادي شامل تقوده رؤية 2030.
وأوضح شقير أن هذه الرؤية أعادت تشكيل السردية الاستثمارية عبر تحويل الدولة من جهة إدارة فوائض إلى جهة تعيد توجيه رأس المال نحو قطاعات إنتاجية وشراكات بين القطاعين العام والخاص وأصول طويلة الأجل.
وأضاف: «في أوقات التوترات الكبرى، لا يبحث رأس المال عن العائد فقط، بل عن الوضوح والقدرة على التنفيذ. والسعودية اليوم تقدم الاثنين معاً: رؤية اقتصادية متماسكة، ومشاريع ضخمة، وبيئة تنظيمية أكثر نضجاً من أي وقت مضى».
وأشار شقير إلى أن هذا التحول يجعل المملكة وجهة مفضلة ليس فقط للمستثمرين الدوليين، بل أيضًا للمستثمرين الخليجيين الباحثين عن أسواق تجمع بين النمو والاستقرار والقدرة على خلق القيمة.
تراجع النفوذ التقليدي وصعود النماذج الاقتصادية المرنة
وأوضح سامر شقير أن أزمة إيران كشفت أن النفوذ لم يعد يُقاس فقط بالثقل السياسي أو العسكري، بل بمدى القدرة على التأثير في مسارات التهدئة وحماية المصالح الاقتصادية وتقديم بدائل موثوقة للأسواق العالمية.
وبيّن شقير أن تراجع الحضور الروسي النسبي في إدارة الأزمة يعكس تقدم نماذج اقتصادية أخرى أكثر مرونة وبراغماتية، وعلى رأسها السعودية التي تستفيد من موقعها الجغرافي وثقلها المالي ومشروعاتها العملاقة وقدرتها على بناء شراكات دولية طويلة الأمد تتجاوز الدورات السياسية القصيرة.
أبرز الفرص الاستثمارية في المرحلة الحالية
وقال سامر شقير إن الفرص في البيئة الحالية لا تأتي عشوائية، بل تتمركز في قطاعات واضحة تشهد طلبًا متزايدًا وتحولات هيكلية.
وأشار شقير إلى أن قطاع اللوجستيات والبنية التحتية يعد من أبرز المستفيدين من أي اضطراب في الممرات التجارية، حيث تزداد أهمية الدول القادرة على تقديم حلول موثوقة في الموانئ والمطارات والربط الإقليمي والمناطق الاقتصادية وشبكات النقل، وهو ما تمتلكه السعودية بشكل متقدم.
كما أوضح أن الطاقة المتجددة والصناعات المستقبلية أصبحت أكثر أهمية في ظل التوترات الجيوسياسية، ليس فقط لتعزيز أمن الطاقة التقليدي، بل لتوسيع قاعدة الاستثمار في الطاقة الشمسية والهيدروجين وسلاسل التصنيع المرتبطة بالطاقة النظيفة.
وأضاف شقير أن السياحة والتطوير الحضري يمثلان محورًا ثالثًا مهمًا، حيث تتحول المشاريع الكبرى إلى وجهات اقتصادية ومعيشية متكاملة تتجاوز الفندقة والعقار التقليدي إلى مفهوم أوسع مرتبط بجودة الحياة والاقتصاد الحضري.
وفي السياق نفسه، شدد على أن التكنولوجيا ورأس المال البشري يمثلان الأساس الحقيقي لأي تحول طويل الأمد، قائلاً: «الاقتصادات التي ستربح في العقد المقبل ليست فقط تلك التي تبني أبراجاً ومشاريع، بل تلك التي تبني كفاءات، ومهارات، ونماذج أعمال قادرة على خلق قيمة مستدامة».
قراءة استثمارية للمشهد السعودي
وأكد سامر شقير أن السعودية لا تُقدم نفسها كسوق دفاعية فقط، بل كسوق هجومية قادرة على جذب رأس المال الباحث عن التوسع وليس الحماية فقط. وأوضح أن هذا الفارق هو ما يمنح المملكة ميزة تنافسية حقيقية، لأنها تجمع بين الاستقرار النسبي والفرص الاستثمارية الواضحة والرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد.
وبيّن شقير أن المستثمر الذكي لا يبحث عن الملاذ الآمن فقط، بل عن اقتصاد يوازن بين الأمان والفرصة والوضوح الاستراتيجي، وهي معادلة تتوفر بشكل متزايد في السعودية خلال 2026.
اختتم سامر شقير رؤيته بالإشارة إلى أن أزمة إيران، وما تكشفه من تراجع نسبي في الأدوار التقليدية لبعض القوى الكبرى، تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية الإقليمية لصالح اقتصادات أكثر جاهزية ومرونة.
وقال شقير إن الفرص الكبرى لا تولد في أوقات الهدوء الكامل، بل في لحظات التحول. والسعودية اليوم ليست فقط أكثر استعداداً لهذا التحول، بل أكثر قدرة على الاستثمار فيه».