أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن الاستثمارات في التراث الثقافي تمثل اليوم فئة أصول بديلة استراتيجية تشهد نموا متسارعا على مستوى العالم، مشيرا إلى أن التحولات الجارية في المملكة العربية السعودية ضمن إطار رؤية 2030 تعيد صياغة مفهوم التراث بوصفه أصلا اقتصاديا قادرا على توليد عوائد مستدامة وتعزيز القوة الناعمة وتنويع الاقتصاد.
جاء ذلك في سياق تحليل استثماري أشار فيه سامر شقير إلى أن الاستعدادات لنقل نسيج بايو التاريخي الذي يعود عمره إلى نحو 950 عاما إلى متحف بريطانيا في لندن خلال الفترة من سبتمبر 2026 إلى يوليو 2027، يعكس المستوى العالي من الدقة في إدارة الأصول الثقافية، حيث تخضع العملية لمعايير صارمة تشمل الحد من الاهتزاز إلى أقل من 2 ملم في الثانية، مع تنفيذ اختبارات محاكاة متعددة لضمان الحفظ الأمثل لهذه التحفة التاريخية التي توثق أحداث الغزو النورماندي عام 1066. واعتبر أن هذا النموذج يعكس طبيعة الاستثمارات في الأصول الثقافية التي تتطلب إدارة مخاطر متقدمة وتخطيطا طويل الأمد.
وأوضح سامر شقير أن سوق صناديق الفن والأصول الثقافية يشهد نموا ملحوظا، حيث يقدر حجمه بنحو 888 مليون دولار أمريكي في عام 2026، مع توقعات ببلوغه 1.26 مليار دولار بحلول عام 2033 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6 في المئة، مشيرا إلى أن هذا التوسع يعكس تحولا هيكليا في سلوك المستثمرين، خصوصا الأفراد ذوي الثروات الفائقة الذين يتجهون إلى تنويع محافظهم الاستثمارية عبر الأصول البديلة كوسيلة للتحوط من تقلبات الأسواق والتضخم. كما أشار إلى أن القيمة الإجمالية للأصول البديلة عالميا مرشحة لتجاوز 2.8 تريليون دولار، ما يعزز مكانة هذا القطاع ضمن استراتيجيات الاستثمار المؤسسي والخاص.
وأضاف سامر شقير أن منطقة الخليج تشهد تسارعا واضحا في هذا التوجه، إلا أن المملكة العربية السعودية تتميز بحجم الطموح والدعم المؤسسي، مما يجعلها مركزا محوريا للاستثمارات الاستراتيجية في قطاع التراث الثقافي والسياحة الثقافية.
وفيما يتعلق برؤية 2030، أوضح سامر شقير أن المملكة حققت قفزات نوعية في القطاع السياحي والثقافي، حيث تجاوز عدد الزوار 123 مليون زائر في عام 2025، متخطيا المستهدف السابق البالغ 100 مليون زائر، مع رفع الطموح إلى 150 مليون زائر بحلول عام 2030، إلى جانب توجه لرفع مساهمة القطاع السياحي إلى 600 مليار ريال سعودي في الناتج المحلي.
وأشار سامر شقير إلى أن المشاريع الكبرى المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة Public Investment Fund ووزارة الثقافة السعودية تعمل على تحويل المواقع التراثية إلى أصول استثمارية عالمية، ومن أبرزها:
مشروع الدرعية Diriyah الذي يشمل تطويرا متكاملا لمناطق ثقافية وفندقية ومتاحف عالمية.
مشروع العلا AlUla وموقع الحِجر Hegra (Madain Salih) الذي يتم تطويره كمركز عالمي للسياحة الثقافية والبيئية الفاخرة.
مشروع البحر الأحمر Red Sea Project الذي يعزز مكانة المملكة كوجهة سياحية واستثمارية عالمية.
وأكد سامر شقير أن هذه المشاريع لا تقتصر على حفظ التراث، بل تهدف إلى تحويله إلى أصول اقتصادية مولدة للعوائد وفرص العمل والتنمية المستدامة.
وفي سياق إدارة المخاطر، شدد على أن الاستثمار في الأصول الثقافية يتطلب مستوى دقة مماثل لما يجري في عمليات نقل نسيج بايو، من خلال الدراسات المتعمقة، والشراكات مع مؤسسات دولية مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة UNESCO، إضافة إلى تطبيق نماذج محاكاة وتخطيط استراتيجي طويل الأمد لضمان الاستدامة.
وقال سامر شقير: “في الاستثمارات الاستراتيجية، لا شيء يترك للصدفة هو المبدأ الذي يفصل بين النجاح المؤقت والقيمة الدائمة. رؤية 2030 تطبق هذا المبدأ بشكل عملي في مشاريعها الثقافية والتراثية.”
وفي ختام تصريحه، أكد سامر شقير أن الاستثمار في التراث الثقافي يمثل أحد أهم الفرص الاستراتيجية خلال عام 2026 وما بعده، مشيرا إلى أن المستقبل يتجه نحو دمج العوائد المالية مع الأثر الثقافي والاجتماعي، بما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي للاستثمارات الثقافية المستدامة.