يرى سامر شقير رائد الاستثمار، أن هذه التحولات التنظيمية لا تمثل تهديداً بقدر ما تشكل نقطة انعطاف استراتيجية تعيد رسم خريطة الفرص الاستثمارية عالمياً، وتدفع نحو تسريع بناء منظومات رقمية سيادية في أسواق مثل المملكة العربية السعودية، المدعومة بإطار رؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد التدقيق التنظيمي العالمي على منصات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها منصات شركة ميتا بلاتفورمز، وما يرتبط بها من قيود تتعلق بإتاحة واجهات البرمجة وتكامل تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر منصات مثل واتساب، تتبلور مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي العالمي، تقوم على زيادة المنافسة، وتقييد الاحتكار، وإعادة توزيع فرص النمو بين الأسواق الكبرى والناشئة.
وقال سامر شقير في تصريحاته: “الضغوط التنظيمية المتزايدة على منصات التكنولوجيا العالمية مثل ميتا وواتساب تعكس انتقال الاقتصاد الرقمي إلى مرحلة جديدة أكثر انفتاحاً وتنافسية. هذه المرحلة تمنح الأسواق الصاعدة، وعلى رأسها السعودية، فرصة تاريخية لتأسيس بنية رقمية مستقلة قادرة على المنافسة عالمياً وجذب الاستثمارات النوعية طويلة الأمد.”
ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه أسواق التكنولوجيا العالمية إعادة تقييم لنماذج الأعمال القائمة على المنصات المغلقة، مع تصاعد الاهتمام بقضايا السيادة الرقمية، وحوكمة البيانات، وأمن المعلومات، وحقوق الوصول إلى البنى التحتية الرقمية الأساسية.
ويرى سامر شقير أن المملكة العربية السعودية تمتلك مقومات استراتيجية تؤهلها للاستفادة المباشرة من هذا التحول، في مقدمتها الدعم الحكومي القوي، والبنية التحتية الرقمية المتقدمة، وارتفاع معدلات استخدام التقنية، إلى جانب الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية.
وأضاف سامر شقير: “رؤية 2030 لا تتعامل مع التحول الرقمي كقطاع منفصل، بل كركيزة أساسية لإعادة بناء الاقتصاد. ومع التوجه العالمي نحو تفكيك هيمنة المنصات الكبرى، تتعزز أهمية تطوير منظومات محلية متكاملة تشمل الذكاء الاصطناعي والتقنية المالية والبنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني.”
وفي إطار تحليل الاتجاهات الاستثمارية، وأشار سامر شقير إلى أن أبرز الفرص في الاقتصاد الرقمي السعودي خلال المرحلة المقبلة تتركز في ثلاثة محاور رئيسية.
أولاً، الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، حيث تشهد المملكة توسعاً متسارعاً في مشاريع البنية التحتية الرقمية واستقطاب الشركات العالمية العاملة في هذا المجال.
ثانياً، التقنية المالية والتطبيقات الرقمية المتكاملة، مع نمو الطلب على حلول الدفع الرقمي والخدمات المالية الذكية، وتوسع نماذج التطبيقات الفائقة التي تدمج الخدمات في منصة واحدة.
ثالثاً، الأمن السيبراني والسيادة الرقمية، في ظل ارتفاع أهمية حماية البيانات والبنى التحتية الرقمية مع تسارع التحول الرقمي في القطاعات الحكومية والخاصة.
وأكد سامر شقير أن هذه القطاعات لا تمثل فرص نمو تقليدية فحسب، بل تشكل أساساً لبناء اقتصاد رقمي متكامل قادر على المنافسة إقليمياً وعالمياً.
و شدد سامر شقير على أن الاستراتيجية الاستثمارية المثلى في المرحلة الحالية تعتمد على الانضباط في تخصيص رأس المال، والتركيز على الأصول ذات الجودة العالية، وتجنب المضاربة قصيرة الأجل في الأسواق المتقلبة، مقابل بناء مراكز استثمارية طويلة الأمد في قطاعات مدعومة سياسياً وتنظيمياً ضمن رؤية 2030.
واختتم سامر شقير تصريحه قائلاً: “التحولات العالمية في قطاع التكنولوجيا، بما فيها الضغوط التنظيمية على الشركات الكبرى، ليست مجرد تحديات، بل محفزات لإعادة توزيع الفرص. المملكة العربية السعودية اليوم في موقع يسمح لها بالانتقال من مستهلك للتقنية إلى صانع للمنظومات الرقمية المستقبلية، وهذا هو جوهر الفرصة الاستثمارية في المرحلة المقبلة.”
وأكد سامر شقير هذا التوجه أن الاقتصاد الرقمي السعودي، المدعوم باستراتيجية وطنية واضحة واستثمارات سيادية ضخمة، يمثل أحد أبرز مسارات النمو الاستثماري في المنطقة خلال عام 2026 وما بعده، خاصة في ظل تسارع التحول العالمي نحو نماذج أكثر انفتاحاً وتوازناً في قطاع التكنولوجيا.
سامر شقير: الأمن السيبراني لم يعد خياراً تقنياً بل ركيزة استراتيجية لبناء اقتصاد رقمي سعودي
أكد سامر شقير رائد الاستثمار ، أن المرحلة الحالية تمثل نقطة تحول في طبيعة الاستثمار الرقمي في المملكة والخليج، حيث لم يعد الأمن السيبراني خياراً ثانوياً، بل أصبح عنصراً أساسياً في حماية القيمة الاقتصادية وضمان استدامة النمو في ظل اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على البيانات والتقنيات المتقدمة.
التحول الرقمي والأمن السيبراني في السعودية
في ظل تسارع التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية، وامتداد تطبيقاته إلى مختلف القطاعات الحيوية مثل التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، والمدن الذكية، تظهر حوادث سيبرانية محدودة لكنها ذات دلالة استراتيجية، من بينها ما تم الإعلان عنه مؤخراً من محاولات اختراق طالت بعض بيانات المستخدمين في شركات تشغيل وخدمات رقمية، مثل “بدجت السعودية” (الشركة المتحدة الدولية للمواصلات) و”بن داود” القابضة، دون أن تمس هذه الحوادث البيانات المالية أو تؤثر على استقرار العمليات التشغيلية.
ورغم محدودية هذه الحوادث واحتوائها السريع، فإنها تكشف عن حقيقة جوهرية تتمثل في أن التوسع السريع في الاقتصاد الرقمي يرافقه اتساع في سطح الهجوم السيبراني، وهو ما يفرض إعادة تقييم شاملة لأولويات الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، ويعزز من أهمية الأمن السيبراني كقطاع استراتيجي وليس مجرد خدمة تقنية مساندة.
وقال سامر شقير: “الحوادث السيبرانية الأخيرة، حتى وإن كانت محدودة التأثير، تؤكد أن كل توسع رقمي يقابله ارتفاع في مستوى المخاطر. الاستثمار في الأمن السيبراني لم يعد تكلفة تشغيلية، بل أصبح استثماراً استراتيجياً مباشراً في استقرار الاقتصاد الرقمي وحماية أصوله المستقبلية”.
وتشير البيانات الصادرة عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني إلى أن سوق الأمن السيبراني في المملكة يشهد نمواً متسارعاً، حيث بلغ حجمه نحو 15.2 مليار ريال سعودي في عام 2024، مع توقعات باستمرار النمو بمعدلات تتراوح بين 10 و13 في المائة سنوياً خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بتوسع المشاريع الرقمية الكبرى، واعتماد الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء.
ويأتي هذا النمو في سياق أوسع مرتبط برؤية السعودية 2030، التي تقود تحولاً هيكلياً في الاقتصاد الوطني نحو التنويع وتقليل الاعتماد على النفط، مع جعل الاقتصاد الرقمي أحد المحركات الأساسية للنمو المستقبلي. وتشمل هذه الرؤية مشاريع استراتيجية كبرى مثل نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، والمدن الذكية، والتي تتطلب جميعها بنى تحتية سيبرانية متقدمة قائمة على مفهوم الأمن المدمج في التصميم وليس كطبقة لاحقة.
وأكد سامر شقير أن دور صندوق الاستثمارات العامة يمثل محوراً رئيسياً في هذا التحول، من خلال استثماراته المباشرة وغير المباشرة في البنية التحتية الرقمية، والشركات التقنية الوطنية، ومشاريع الأمن السيبراني، بما في ذلك الشركات المتخصصة في الحوسبة السحابية والتكامل الرقمي وحماية البيانات.
وأضاف سامر شقير: “المملكة اليوم لا تبني قطاعاً للأمن السيبراني فقط، بل تؤسس لمنظومة رقمية متكاملة تقوم على السيادة التقنية والثقة الرقمية. هذا التحول يفتح الباب أمام استثمارات استراتيجية طويلة الأمد، سواء من القطاع الخاص المحلي أو المستثمرين الدوليين الباحثين عن بيئات مستقرة وقابلة للنمو”.
وفي إطار تحليل الفرص الاستثمارية، أشار سامر شقير إلى أن قطاع الأمن السيبراني في السعودية يتركز حول ثلاثة محاور رئيسية. المحور الأول يتمثل في الشركات المتوافقة مع الأنظمة التنظيمية مثل متطلبات الهيئة الوطنية للأمن السيبراني ونظام حماية البيانات الشخصية، وهو ما يعزز استدامة الأعمال ويقلل المخاطر القانونية.
المحور الثاني يتمثل في الحلول التقنية المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل أنظمة كشف التهديدات، والاستجابة التلقائية للهجمات، وأمن البنية السحابية، وهي مجالات تشهد نمواً متسارعاً عالمياً ومحلياً.
أما المحور الثالث فيتعلق بتطوير الكفاءات الوطنية والشراكات الاستراتيجية، في ظل ارتفاع عدد المتخصصين في الأمن السيبراني في المملكة، وزيادة نسبة مشاركة الكوادر الوطنية في هذا القطاع، مما يعزز قدرة السوق على التوسع المستدام.
ويضيف شقير أن هذه الاتجاهات لا تمثل فقط فرص نمو، بل تعكس تحولاً في طبيعة الاقتصاد نفسه، حيث يصبح الأمن الرقمي جزءاً أساسياً من الثقة الاستثمارية والبنية التحتية لأي اقتصاد رقمي حديث.
ويشير كذلك إلى أن المرحلة المقبلة مرشحة لزيادة عمليات الاندماج والاستحواذ داخل قطاع الأمن السيبراني، مع توسع الطلب على خدمات الأمن المدارة، وتزايد حاجة المؤسسات إلى حلول متكاملة بدل الحلول الجزئية التقليدية.
واختتم سامر شقير تصريحه بالقول: “الأمن السيبراني لم يعد خط الدفاع الأول فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة خلق القيمة في الاقتصاد الحديث. المملكة العربية السعودية، عبر رؤية 2030، لا تستجيب للتحول الرقمي فحسب، بل تقوده، وهذا ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع أحد أكثر القرارات الاستراتيجية أهمية في المرحلة المقبلة”.