قال رائد الاستثمار سامر شقير: إنَّ هناك انعكاسًا دقيقًا لتحوُّل عميق في دور الطاقة داخل الاقتصاد السعودي في عام 2026، حيث لم تعد صادرات النفط مجرَّد مصدر دخل، بل أصبحت أداة استراتيجية تقود مرحلة جديدة تحت مظلة رؤية 2030.
كيف تحوَّلت أرامكو من عمود استقرار إلى مُحرِّك لرؤية 2030؟
أوضح سامر شقير، أنَّ قصة النفط في السعودية لم تعد تُختزل في الإيرادات فقط، بل أصبحت قائمة على معادلة أكثر تعقيدًا: توظيف قوة أرامكو ليس فقط للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، بل لتحويلها إلى مولد سيولة يدعم بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار.
وأشار شقير، إلى أنه رغم التوسع العالمي في الطاقة المتجددة، فإن أرامكو لا تزال أكبر شركة نفط في العالم من حيث الإنتاج والقيمة السوقية، ومن أقل المنتجين تكلفة عالميًّا، والمصدر الرئيسي للتدفقات النقدية السيادية، مؤكِّدًا أن التَّحوُّل الحقيقي يكمُن في أن النفط لم يعد غاية بحد ذاته، بل أصبح وسيلة ذكية لتمويل التَّحوُّل الاقتصادي.
وأضاف شقير، أن الإيرادات النفطية، من منظور الاقتصاد الكلي، كانت تمكِّن الدولة من:
– تمويل المشاريع الكبرى عبر صندوق الاستثمارات العامة.
– الحفاظ على استقرار العملة والسيولة.
– دعم الإنفاق الرأسمالي دون تحميل الدين العام ضغوطًا مفرطة.
ولفت شقير، إلى أن توزيعات أرامكو الضخمة كانت توفر دخلًا مستقرًا للمستثمرين، وتعزز جاذبية السوق السعودية للمؤسسات العالمية بعد إصلاحات المستثمر الأجنبي المؤهل (QFI)، وتُشكِّل أصلًا محوريًّا داخل المحافظ الاستثمارية.
اللوجستيات الاستراتيجية.. من تكلفة إلى ميزة سيادية
أكَّد سامر شقير، أنَّ ميناء ينبع وخط أنابيب الشرق–الغرب (Petroline) لم يكونا مجرد بنية تحتية تقليدية، بل شكَّلا بديلًا استراتيجيًّا لمضيق هرمز، حيث ساهما في تقليل المخاطر الجيوسياسية، وضمان استمرارية الصادرات في أوقات التوتر.
وأوضح شقير، أنه في حالات تعطل الإمدادات العالمية، كانت السعودية تمتلك مرونة لوجستية ومنافذ تصدير متعددة جعلتها المورد الأكثر موثوقية، وهو ما حوَّل اللوجستيات من عبء تشغيلي إلى ميزة تنافسية سيادية.
من النفط الخام إلى الصناعات التحويلية
وأشار سامر شقير، إلى أن مشروع “أميرال” في الجبيل، بالشراكة مع TotalEnergies، كان يُمثِّل نموذجًا عمليًّا للتحوُّل الصناعي، حيث استهدف:
– تحويل النفط إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية.
– بناء سلاسل صناعية محلية متكاملة.
– دعم نمو الصادرات غير النفطية.
وشدد شقير، على أن كل برميل يتم تحويله إلى منتج نهائي بدلًا من تصديره خامًا يعني مضاعفة القيمة الاقتصادية وتعزيز التنافسية عالميًّا.
هل تراجع الاعتماد على النفط؟
وقال سامر شقير: إنَّ القطاع غير النفطي تجاوز 50% من الناتج المحلي الإجمالي، مدعومًا بنمو قوي في قطاعات السياحة، والخدمات المالية، واللوجستيات، والتقنية، موضحًا أن الاقتصاد لم ينفصل عن النفط، بل أصبح يعتمد عليه بطريقة أكثر كفاءة وذكاء.
أين تكمُن الفرص الحقيقية؟
أكَّد سامر شقير، أنَّ الفرص الاستثمارية لم تعد في النفط التقليدي فقط، بل في التقاطعات الاستراتيجية بين عدة قطاعات، موضحًا أنها كانت تتمثل في:
الطاقة والتقنية: استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة الإنتاج وإدارة الحقول.
الطاقة واللوجستيات: تطوير المواني وخطوط الأنابيب والمناطق الصناعية.
الطاقة والتمويل: الاستفادة من أدوات الدين والتوزيعات المستقرة والإدراجات.
الطاقة والاستدامة: الاستثمار في الهيدروجين الأزرق والاقتصاد الدائري للكربون.
وأضاف شقير قائلًا: “إن القوة الحقيقية لم تكُن في امتلاك النفط، بل في القدرة على توظيفه لبناء اقتصاد لا يعتمد عليه مستقبلًا”.
سيناريوهات 2026–2030
وأوضح سامر شقير، أن المشهد الاستثماري كان يتشكَّل وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الإيجابي: استقرار أسعار النفط بين 70 و90 دولارًا، مع تسارع مشاريع رؤية 2030 وتدفقات أجنبية قوية، ما يخلق بيئة استثمارية مثالية.
السيناريو المُتقلب: تذبذب الأسعار مع توترات جيوسياسية، حيث تظهر أرامكو والبنية اللوجستية كصمام أمان.
سيناريو الصدمة: اضطرابات في الإمدادات العالمية، ما يُعزز مكانة السعودية كمورد الأكثر موثوقية.
أين يُوجِّه المستثمر أمواله؟
وقال سامر شقير: إن التفكير التقليدي القائم على “نفط مقابل غير نفط” لم يعد مجديًا، مشيرًا إلى أن التوجُّه الأمثل كان نحو الشركات المرتبطة بسلاسل قيمة الطاقة، وقطاع اللوجستيات والمواني، والصناعات التحويلية والبتروكيماويات، والبنوك المستفيدة من دورة السيولة، والشركات المرتبطة بإنفاق صندوق الاستثمارات العامة.
واختتم سامر شقير حديثه مؤكدًا أن النفط لم ينتهِ، بل تغيَّر دوره بشكل جذري، موضحًا أن أرامكو لم تعد مجرد شركة نفط، بل أصبحت مولد سيولة، وأداة توازن اقتصادي، ومحركًا رئيسيًّا للتحوُّل نحو اقتصاد ما بعد النفط.
وأكَّد شقير في ختام رؤيته، أنَّ القيمة الحقيقية لم تكُن في امتلاك الموارد، بل في حُسن توظيفها لبناء مستقبل اقتصادي مستدام.