أكد رائد الاستثمار سامر شقير، أن الرسائل التي يبعثها سوق السندات الأمريكية مع بداية ولاية رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش تعكس مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية العالمية، مشيراً إلى أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية إلى مستويات تاريخية يعكس توقعات باستمرار الضغوط التضخمية وتشدد السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وأوضح شقير أن وصول عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.55% وارتفاع عائد السندات لأجل ثلاثين عاماً إلى أعلى مستوياته منذ عام 2007 يمثلان مؤشرين مهمين على إعادة تسعير المخاطر عالمياً، مدفوعين بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يفرض على المستثمرين إعادة النظر في استراتيجياتهم الاستثمارية طويلة الأجل.
الاقتصاد العالمي أمام مرحلة جديدة
وأشار سامر شقير إلى أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة مختلفة عنوانها الرئيسي “الفائدة المرتفعة لفترة أطول”، موضحاً أن هذه البيئة لا تقتصر آثارها على الولايات المتحدة فقط، بل تمتد إلى مختلف الأسواق العالمية من خلال ارتفاع تكلفة التمويل وتشديد شروط الاقتراض وتعزيز قوة الدولار الأمريكي.
وأضاف شقير أن المستثمرين الذين ينظرون إلى هذه التطورات باعتبارها تحدياً فقط قد يفقدون فرصاً استثمارية مهمة، مؤكداً أن التحولات الاقتصادية الكبرى غالباً ما تخلق فرصاً استثنائية في الاقتصادات القادرة على تحقيق النمو الحقيقي وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية.
السعودية تستفيد من التحولات العالمية
وأوضح سامر شقير أن المملكة العربية السعودية تعد من أبرز المستفيدين من هذه المتغيرات العالمية بفضل قوة مركزها المالي واستقرار سياستها النقدية وارتباط الريال بالدولار الأمريكي، إلى جانب الاستفادة من مستويات أسعار الطاقة الداعمة للإيرادات الحكومية.
وأكد شقير أن الاقتصاد السعودي نجح خلال السنوات الأخيرة في بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً، ما عزز قدرته على مواجهة التقلبات العالمية وتحويلها إلى فرص استثمارية تدعم النمو المستدام.
وقال: “الرسائل القادمة من سوق السندات تؤكد أن العالم يشهد إعادة تشكيل للتوازنات الاقتصادية، وفي مثل هذه الظروف تظهر أهمية الاقتصادات التي تمتلك رؤية واضحة وبرامج تحول طويلة الأمد، وهو ما نجحت السعودية في ترسيخه من خلال رؤية 2030.”
رؤية 2030 تقود مرحلة جديدة من النمو
وأشار سامر شقير إلى أن مساهمة الأنشطة غير النفطية بأكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة تمثل محطة تاريخية تعكس نجاح برامج التنويع الاقتصادي، لافتاً إلى أن الإيرادات غير النفطية القياسية البالغة 457 مليار ريال تؤكد متانة الاقتصاد السعودي وقدرته على خلق مصادر دخل مستدامة.
وأضاف شقير أن صندوق الاستثمارات العامة يواصل لعب دور محوري في قيادة التحول الاقتصادي، حيث تجاوزت أصوله 900 مليار دولار، وأسهم بشكل مباشر في دعم نمو القطاعات غير النفطية من خلال استثمارات ضخمة تجاوزت 199 مليار دولار داخل المملكة.
وأكد أن الاستراتيجية الجديدة للصندوق للفترة من 2026 إلى 2030 تركز على تعظيم القيمة الاقتصادية ورفع مساهمة القطاع الخاص وتعزيز التوطين ونقل المعرفة، بما يدعم بناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.
القطاعات الخمسة الأكثر جاذبية للمستثمرين
وأوضح سامر شقير أن المرحلة الحالية تبرز خمسة قطاعات استراتيجية رئيسية تمثل فرصاً واعدة للمستثمرين خلال السنوات المقبلة.
وأشار شقير إلى أن قطاع الطاقة المتجددة والتصنيع المحلي يأتي في مقدمة هذه القطاعات بفضل دوره في تعزيز الأمن الاقتصادي والاستفادة من التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
وأضاف أن قطاع اللوجستيات والموانئ يواصل تعزيز مكانة المملكة كمركز عالمي للتجارة وسلاسل الإمداد، مستفيداً من موقعها الجغرافي الاستراتيجي والاستثمارات المتواصلة في البنية التحتية.
كما أكد شقير أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمثلان أحد أهم محركات النمو المستقبلية، خاصة مع توسع الاستثمارات في مراكز البيانات والحلول الرقمية وترميز الأصول وتطبيقات الاقتصاد الرقمي.
وأشار كذلك إلى أهمية قطاع التعدين والمعادن الاستراتيجية في ظل ارتفاع الطلب العالمي على المعادن الحرجة اللازمة للصناعات الحديثة والطاقة النظيفة.
وأضاف شقير أن تطوير أسواق رأس المال السعودية، من خلال تسهيل دخول المستثمرين الأجانب واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، يعزز جاذبية السوق السعودية على المستوى العالمي.
نموذج الاستثمار الهجين
وأكد سامر شقير أن أفضل استراتيجية للمستثمرين خلال المرحلة المقبلة تتمثل في تبني ما وصفه بـ”نموذج الاستثمار الهجين”، الذي يجمع بين الاستقرار الذي توفره الأصول التقليدية وفرص النمو المرتفعة في القطاعات المستقبلية.
وأوضح شقير أن هذا النموذج يحقق توازناً فعالاً بين إدارة المخاطر والاستفادة من التحولات الاقتصادية العالمية، خاصة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والمعادن الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة.
وقال: “المستثمر الذكي هو من يحول التقلبات إلى فرص، ويبحث عن الاقتصادات التي تمتلك رؤية واضحة وقدرة حقيقية على تنفيذ خططها التنموية، وهو ما توفره السعودية اليوم بشكل استثنائي”.
السعودية وجهة عالمية لرؤوس الأموال
وأشار سامر شقير إلى أن الإصلاحات المتواصلة في السوق المالية السعودية، إلى جانب المشاريع العملاقة المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، عززت مكانة المملكة كإحدى أكثر الوجهات الاستثمارية جاذبية على مستوى العالم.
وأوضح شقير أن المستثمرين العالميين باتوا ينظرون إلى السعودية باعتبارها سوقاً تجمع بين الاستقرار المالي وفرص النمو طويلة الأجل، خاصة في ظل التحولات الهيكلية التي تشهدها مختلف القطاعات الاقتصادية.
واختتم سامر شقير حديثه مؤكداً أن رؤية 2030 أثبتت قدرتها على تحويل التحديات العالمية إلى فرص تنموية واستثمارية حقيقية، مشيراً إلى أن المستقبل سيكون لصالح الاقتصادات التي تركز على الابتكار والاستدامة وتنمية رأس المال البشري.
وأضاف: “في عالم يزداد تقلباً وتعقيداً، تبقى الرؤية الواضحة والاستثمار طويل الأجل في الاقتصادات التحويلية مثل الاقتصاد السعودي من أهم مفاتيح تحقيق النمو المستدام وبناء الثروة للأجيال القادمة”.