أشار رائد الاستثمار سامر شقير، إلى أنه في مشهد يعكس مفارقة اقتصادية لافتة، ظهرت مذيعة داخل استوديو إخباري محاطة بشاشات تعرض أرقامًا مالية قياسية ومؤشرات صاعدة، تحت عنوان: «أرباح هائلة وسط الحروب»، موضحًا أنَّ هذا المشهد لم يكُن مجرد محتوى عابر، بل يعكس واقعًا اقتصاديًّا عميقًا، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية عالميًّا، تحقق البنوك الكبرى أداءً ماليًّا غير مسبوق.
وقال شقير: إنَّ هذا التناقض الظاهري ليس مفاجئًا، موضحًا أن «الأسواق لا تتحرك فقط وفق الاستقرار، بل غالبًا ما تُعيد تسعير الفرص في أوقات الأزمات، ما يفتح المجال أمام تدفقات مالية ذكية تبحث عن العائد وسط الضبابية».
لماذا تزدهر البنوك في أوقات الصراعات؟
أوضح سامر شقير، أنَّ القطاع المصرفي يتمتع بخصوصية تجعله من أكبر المستفيدين في أوقات الاضطرابات، قائلًا: «البنوك لا تعتمد فقط على النمو الاقتصادي التقليدي، بل تستفيد من تغيُّرات البيئة النقدية والمالية التي تفرضها الأزمات».
وأضاف أن هناك أربعة محركات رئيسية تدعم هذا الأداء:
– ارتفاع أسعار الفائدة، حيث تتجه السياسات النقدية إلى التشدد لمواجهة التضخم، ما يُعزز هوامش أرباح البنوك.
– زيادة النشاط المالي، نتيجة التقلبات التي تدفع المستثمرين نحو التحوط وإدارة السيولة.
– تصاعد الطلب على التمويل، سواء من الحكومات أو القطاع الخاص.
– في دول الخليج، استمرار قوة قطاع الطاقة، ما يعزز السيولة داخل الاقتصاد.
ويؤكِّد قائلًا: «هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة مثالية لنمو أرباح البنوك حتى في أصعب الظروف».
البنوك السعودية.. أداء قوي داخل اقتصاد متحول
أشار سامر شقير، إلى أنَّ القطاع المصرفي في المملكة العربية السعودية يُمثِّل نموذجًا استثنائيًّا، موضحًا أنَّ «النمو الذي تحقق في أرباح البنوك خلال 2025، والذي بلغ نحو 92.5 مليار ريال مقارنة بـ79.6 مليار ريال في 2024، يعكس قوة هيكلية وليس مجرد طفرة مؤقتة».
وأضاف شقير، أن هذا الأداء مرتبط مباشرة بتسارع التحول الاقتصادي، حيث تلعب البنوك دورًا محوريًّا في تمويل المشاريع الكبرى، من البنية التحتية إلى الطاقة المتجددة والسياحة.
كما لفت إلى أن البيئة الاستثمارية أصبحت أكثر انفتاحًا، قائلًا إن إلغاء قيود المستثمر الأجنبي المؤهل يُمثِّل نقطة تحوُّل استراتيجية، لأنه يفتح السوق أمام تدفقات رأسمالية عالمية مباشرة.
المستثمر الذكي يرى الفرصة داخل الضباب
وأكَّد سامر شقير، أنَّ التعامل مع الأزمات يجب أن يكون بعقلية استراتيجية، لافتًا إلى أن المستثمر الناجح لا ينجرف وراء العناوين، بل يسأل: أين تتولد التدفقات النقدية في ظل هذا الاضطراب؟
وأضاف شقير أنه في الوقت الذي تشهد فيه بعض الأسواق حالة من عدم اليقين، تبرز السعودية كوجهة استثمارية مستقرة بفضل وضوح الرؤية الاقتصادية وتسارع الإصلاحات.
وشدد شقير على قوة القطاع المصرفي الخليجي، موضحًا أن البنوك في المنطقة تتمتع بسيولة مرتفعة وقاعدة ودائع قوية، إلى جانب تطور ملحوظ في التمويل الإسلامي والتقنيات المالية.
ما وراء البنوك.. فرص جديدة في التكنولوجيا المالية
لا يقتصر التفاؤل على البنوك التقليدية فقط، إذ يقول سامر شقير: «الفرص الحقيقية تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، خاصةً في مجالات التقنية المالية والتحول الرقمي».
وأضاف أن ترميز الأصول يمثل ثورة قادمة في أسواق المال، لأنه يُغيِّر طريقة تداول الأصول ويزيد من كفاءة السوق والسيولة، مؤكدًا أنَّ الاستثمار في هذا المجال اليوم قد يكون من أكثر الرهانات استراتيجية للمستقبل.
لماذا السعودية تحديدًا؟
يرى سامر شقير، أنَّ المملكة تمتلك مزيجًا فريدًا يجعلها في موقع متقدم عالميًّا، قائلًا إن السعودية تجمع بين ثلاثة عناصر رئيسية: حجم سوق ضخم، وبرنامج تحوُّل اقتصادي طموح، وانفتاح استثماري متسارع.
وتابع شقير، أنَّ هذا المزيج يجعلها ليست فقط سوقًا محلية قوية، بل منصة إقليمية وعالمية لتدفق الاستثمارات.
أين تكمُن الفرص في 2026؟
حدَّد سامر شقير ثلاثة مسارات رئيسية للاستثمار خلال المرحلة المقبلة، قائلًا: «أسهم البنوك الكبرى التي تستفيد من نمو الائتمان».
«شركات التقنية المالية التي تقود التحول الرقمي في الخدمات المالية».
«القطاعات المرتبطة بالتمويل طويل الأجل مثل الطاقة والبنية التحتية».
وأضاف أن هذه القطاعات مترابطة، والبنوك تلعب فيها دور الممول والمستفيد في الوقت نفسه.
الاضطراب كفرصة لا كتهديد
وفي الختام قال سامر شقير: إنَّ التاريخ الاقتصادي يثبت أن الأزمات تُعيد توزيع الفرص، وليس إلغاؤها، لافتًا إلى أن السؤال لم يعد هل نستثمر في أوقات الاضطراب، بل أين نستثمر؟ والسعودية تُقدِّم واحدة من أكثر الإجابات وضوحًا في هذا السياق.
ويختتم بالقول: «عام 2026 سيكون نقطة تحوُّل للمستثمرين الذين يمتلكون رؤية طويلة الأجل، لأن الفرص الحقيقية تولد دائمًا في لحظات التَّغيُّر الكبرى».