أكد سامر شقير، رائد الاستثمار ، أن التطورات المتسارعة في تقنيات “النسخ الذكي” أو تقطير المعرفة في الذكاء الاصطناعي تمثل نقطة تحول استراتيجية في الاقتصاد العالمي، وتفتح آفاقاً استثمارية غير مسبوقة أمام المملكة العربية السعودية لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي وعالمي للذكاء الاصطناعي ضمن مستهدفات رؤية 2030.
وأوضح سامر شقير أن الجدل المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، والذي سلط الضوء على إمكانية نقل قدرات نماذج ذكاء اصطناعي عملاقة طورت باستثمارات تصل إلى مئات الملايين أو حتى مليارات الدولارات إلى نماذج أصغر وأكثر كفاءة بتكلفة منخفضة، يعكس تحولاً تقنياً حقيقياً يشهد زخماً كبيراً خلال عام 2026، ويعيد رسم قواعد المنافسة في هذا القطاع الحيوي.
وأشار سامر شقير إلى أن السباق العالمي بين الولايات المتحدة والصين لم يعد يعتمد فقط على تطوير أكبر النماذج، وإنما على القدرة على تشغيل نماذج أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأكثر قابلية للتخصيص، وهو ما يجعل تقنية تقطير المعرفة أحد أهم التطورات في صناعة الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وأضاف سامر شقير أن نماذج الذكاء الاصطناعي الحدودية كانت تتطلب في السابق استثمارات ضخمة لتدريبها، وهو ما جعل تطويرها مقتصراً على عدد محدود من الشركات العالمية، إلا أن تقنيات التقطير غيرت هذه المعادلة من خلال نقل قدرات النماذج الكبيرة إلى نماذج أصغر حجماً وأكثر كفاءة في استهلاك الموارد، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من الأداء في المهام المنطقية والرياضية والتحليلية.
وأوضح سامر شقير أن هذه التقنية تعتمد على تدريب نموذج صغير لمحاكاة أداء نموذج كبير باستخدام بيانات أقل وبنية تحتية أكثر كفاءة، وهو ما يؤدي إلى تقليل تكاليف التطوير والتشغيل بشكل كبير، مع توفير نماذج يمكن تخصيصها بسهولة لخدمة قطاعات مثل الطاقة والرعاية الصحية والخدمات المالية واللغة العربية.
وقال سامر شقير: “تقنية النسخ الذكي لا تقلل التكاليف فحسب، بل تمكن السعودية من تطوير نماذج متخصصة تخدم رؤية 2030 مباشرة، سواء في تحسين كفاءة قطاع الطاقة، أو تطوير الخدمات الحكومية الذكية، أو دعم الشركات الناشئة في التقنيات المالية. الاستثمار الذكي اليوم ليس في بناء نماذج عملاقة من الصفر، بل في البنية التحتية والتطبيقات التي تستفيد من هذه القدرات بكفاءة عالية.”
وأكد أن المملكة تمتلك ميزة تنافسية مهمة تتمثل في وفرة مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة، وهو عامل أساسي في صناعة الذكاء الاصطناعي التي تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة الكهربائية، مشيراً إلى أن تقنيات التقطير ترفع كفاءة تشغيل النماذج وتخفض استهلاكها للطاقة، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للاستثمارات في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
وأضاف: “المملكة تمتلك ميزة تنافسية فريدة تتمثل في الطاقة الوفيرة والمتجددة. الذكاء الاصطناعي يستهلك كميات هائلة من الكهرباء، وتقنيات التقطير تجعل التشغيل أكثر كفاءة. هذا يعني أن الاستثمار في مراكز البيانات ومصادر الطاقة المخصصة للذكاء الاصطناعي سيحقق عوائد مستدامة على المدى الطويل.”
وأشار سامر شقير إلى أن المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين تجعل مفهوم السيادة التقنية أكثر أهمية من أي وقت مضى، مؤكداً أن المملكة العربية السعودية تمتلك فرصة لبناء منظومة تقنية متوازنة تستفيد من أفضل الشراكات العالمية مع تطوير قدراتها الوطنية في الوقت نفسه.
وقال: “السباق بين أمريكا والصين يفرض على المستثمرين التركيز على السيادة التقنية. السعودية، من خلال شراكاتها المتوازنة، تستطيع بناء قدرات محلية قوية مع الحفاظ على الوصول إلى أحدث التقنيات. الفرصة الحقيقية تكمن في الشركات التي تبني البنية التحتية أو تطور تطبيقات محلية مدعومة بهذه النماذج المقطرة.”
وأوضح أن هذه الفرص تتزامن مع التوسع الكبير الذي تشهده المملكة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بقيادة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي وشركة هماين التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، حيث يجري تنفيذ استثمارات ضخمة في مراكز الحوسبة المتقدمة، بالتعاون مع شركات عالمية، من خلال نشر مئات الآلاف من وحدات المعالجة الرسومية وبناء مصانع متخصصة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب إنشاء مناطق متكاملة مخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
وأكد سامر شقير أن هذه الاستثمارات تضع المملكة في موقع متقدم للاستفادة من تقنيات النسخ الذكي، لأنها تقلل الحاجة إلى موارد ضخمة لكل نموذج جديد، وتسرع من تطوير تطبيقات عملية تخدم القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وأشار سامر شقير إلى أن التوقعات العالمية تشير إلى استمرار النمو القوي لسوق الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، مع وصول حجمه إلى نحو 376 مليار دولار خلال عام 2026، بينما تشير التقديرات إلى إمكانية مساهمة الذكاء الاصطناعي بأكثر من 135 مليار دولار في الاقتصاد السعودي بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
ودعا سامر شقير المستثمرين والشركات في الخليج إلى التركيز على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في الاستثمار في البنية التحتية الداعمة، بما يشمل مراكز البيانات والطاقة المتجددة والشبكات عالية السرعة، وتطوير تطبيقات محلية تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي المخصصة للغة العربية وقطاعات الخدمات الحكومية والرعاية الصحية والطاقة، إضافة إلى بناء شراكات استراتيجية مع الجهات الوطنية والشركات العالمية بما يحقق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة والحفاظ على السيادة التقنية والبيانات.
واختتم سامر شقير تصريحه قائلاً: “الذكاء الاصطناعي لم يعد سباقاً على من يملك النموذج الأكبر، بل على من يستخدمه بذكاء وكفاءة أعلى. السعودية تمتلك اليوم الأدوات والرؤية لتكون في الصدارة.”
وأكد أن عام 2026 يمثل لحظة تحول استراتيجية يلتقي فيها التقدم التقني العالمي مع الاستثمارات الوطنية الضخمة والإرادة التنموية الواضحة، ما يجعل المملكة العربية السعودية في موقع متميز لقيادة المرحلة المقبلة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، فيما ستكون الشركات والمستثمرون الذين يدركون هذا التحول مبكراً الأكثر استفادة من موجة النمو القادمة في الأسواق السعودية والخليجية.