أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ احتجاز الباحث الأمريكي الدكتور يولين تشين في الصين يسلط الضوء على تحول جوهري في طبيعة المخاطر التي يضعها المستثمرون المؤسسيون في حساباتهم عند تقييم الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد عاملًا ثانويًّا في قرارات الاستثمار، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًّا يؤثر على تكلفة رأس المال، وتوزيع الأصول، واستراتيجيات التوسع الإقليمي للشركات والصناديق الاستثمارية الكبرى.
وأوضح سامر شقير، أن قضية احتجاز الدكتور تشين، الباحث الأمريكي المتخصص في رصد وتحليل التجارب النووية الكورية الشمالية، تعكس تنامي التداخل بين النشاط البحثي والاعتبارات الأمنية في البيئة الدولية الحالية، خصوصًا مع استمرار التوترات بين الولايات المتحدة والصين في مجالات التكنولوجيا والأمن القومي والتجارة.
وأشار سامر شقير، إلى أن هذه التطورات تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر المرتبطة بالتواجد التشغيلي والبحثي في بعض الأسواق، لا سيما عندما تكون الأصول البشرية والبيانات والمعرفة التقنية جزءًا أساسيًّا من نموذج الأعمال.
وقال سامر شقير: “لم تعد قرارات تخصيص رأس المال تعتمد فقط على مؤشرات النمو والعائد المتوقع، بل أصبحت تشمل قدرة الأسواق على توفير بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة تحمي الاستثمارات والأصول البشرية والملكية الفكرية، إن ارتفاع مستوى عدم اليقين الجيوسياسي ينعكس مباشرة على تقييمات الأصول وعلى المعايير التي تستخدمها المؤسسات عند بناء محافظها طويلة الأجل”.
وأضاف سامر شقير، أن المستثمرين المؤسسيين، بما في ذلك صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد وشركات الاستثمار الخاص، باتوا يوسعون نماذج تقييم المخاطر لتشمل سيناريوهات مثل القيود التنظيمية المفاجئة، والمخاطر المرتبطة بالتعامل مع الجهات الحكومية، واحتمالات تعطل العمليات نتيجة تغيرات سياسية أو قانونية غير متوقعة.
وأشار سامر شقير، إلى أن احتجاز باحث يعمل في مجال يعتمد على بيانات متاحة للجمهور يثير تساؤلات أوسع حول الحدود بين البحث العلمي والأمن القومي، وهو ما قد يدفع الشركات العالمية إلى مراجعة سياسات إرسال الموظفين والخبراء إلى بعض الأسواق، إضافة إلى تعزيز أنظمة الامتثال الداخلي وإدارة المخاطر.
وأوضح شقير، أن هذه التطورات قد تؤثر على تدفقات رأس المال نحو القطاعات الأكثر حساسية، خصوصًا التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والأبحاث العلمية، والصناعات المرتبطة بالأمن السيبراني، قائلًا: “إن الشركات التي تعتمد على سلاسل إمداد دولية أو فرق بحثية موزعة عالميًّا ستحتاج إلى إعادة تقييم استراتيجياتها التشغيلية بما يضمن استمرارية الأعمال وتقليل الاعتماد على مناطق ترتفع فيها المخاطر السياسية”.
وأكد سامر شقير، أن تصاعد هذه المخاطر يعزز اتجاهات إعادة توزيع سلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك مفهوم تنويع مواقع الإنتاج والبحث والتطوير نحو دول تتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار التنظيمي والقدرة على توفير بيئة استثمارية يمكن التنبؤ بها.
وأضاف شقير، أن اتجاه الشركات العالمية نحو تقليل المخاطر الجيوسياسية لا يعني بالضرورة الانسحاب الكامل من الأسواق الكبرى، لكنه يعكس تحولًا نحو نماذج أكثر مرونة تعتمد على توزيع المخاطر بدلًا من التركيز الجغرافي المكثف، موضحًا أن هذا النهج أصبح جزءًا أساسيًّا من إدارة المحافظ الاستثمارية الحديثة، خصوصًا في ظل استمرار المنافسة الاستراتيجية بين القوى الاقتصادية الكبرى.
وفيما يتعلق بالفرص الاستثمارية، أشار سامر شقير إلى أن الاقتصادات التي توفر أطر حوكمة واضحة، واستقرارًا تنظيميًّا، وقدرة على جذب الكفاءات العالمية قد تستفيد من إعادة توجيه جزء من الاستثمارات الدولية.
وأضاف شقير، أن دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، تمتلك فرصة لتعزيز موقعها كمركز استثماري إقليمي من خلال مواصلة تطوير بيئة الأعمال، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وجذب الشركات العالمية ضمن مسارات التنويع الاقتصادي.
وقال سامر شقير: “في بيئة استثمارية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، تصبح القدرة على توفير الثقة المؤسسية والشفافية التنظيمية ميزة تنافسية حقيقية، الأسواق التي تنجح في بناء منظومة متكاملة لحماية الاستثمار وجذب المواهب ستكون أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل”.
وأضاف شقير، أن المستثمرين سيواصلون خلال الفترة المقبلة مراقبة تطورات العلاقات الأمريكية الصينية، وأثرها على التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، باعتبارها عوامل مؤثرة في قرارات الاستثمار العالمية، كما ستظل الشركات التي تمتلك قدرة أعلى على التكيف مع التحولات الجيوسياسية أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن نمو مستدام.
وأشار سامر شقير، إلى أن السنوات المقبلة قد تشهد تسارعًا في إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية العالمية، بحيث يصبح التنويع الجغرافي والقدرة على إدارة المخاطر التنظيمية جزءًا أساسيًّا من عملية تخصيص رأس المال، وليس مجرد أداة احترازية.
واختتم سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستتطلب من المستثمرين الجمع بين التحليل المالي التقليدي والفهم العميق للتغيرات السياسية والتنظيمية، موضحًا أن بناء محافظ قادرة على التكيف مع التحولات العالمية سيكون عاملًا حاسمًا في الحفاظ على القيمة وتحقيق عوائد مستدامة على المدى الطويل.