قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن قرار إسبانيا الانسحاب من يوروفيجن 2026 احتجاجًا على مشاركة إسرائيل يمثل تطورًا يتجاوز البعد الثقافي، ويعكس اتجاهًا متزايدًا نحو تداخل السياسة الخارجية مع القرارات الاقتصادية، وهو ما يدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية داخل الأسواق الأوروبية.
وأوضح شقير، أن مثل هذه القرارات أصبحت تحمل دلالات مباشرة بالنسبة لمديري الأصول وصناديق الثروة السيادية، إذ لم يعد تقييم الأسواق يقتصر على المؤشرات الاقتصادية التقليدية، بل بات يشمل وضوح السياسات والاستقرار الاستراتيجي ومدى تأثير المواقف السياسية على تدفقات الاستثمار.
وأضاف شقير، أن المرحلة الحالية تعزز أهمية الأسواق التي تقدم رؤية اقتصادية طويلة الأجل واستقرارًا تنظيميًّا، مشيرًا إلى أن الاقتصادات التي تمتلك استراتيجيات واضحة، مثل المملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030، أصبحت أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال العالمية.
السياسة والثقافة أصبحتا جزءًا من معادلة الاستثمار
وأشار سامر شقير، إلى أن عام 2026 يشهد استمرار إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية داخل أوروبا، بعدما تحوَّلت القرارات الثقافية والدبلوماسية إلى مؤشرات تعكس توجهات السياسة الخارجية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تدفقات الاستثمار الأجنبي وأداء الأسواق المالية.
وأضاف شقير، أن المستثمرين المؤسسيين لم يعودوا يفصلون بين السياسة والثقافة، بل ينظرون إليهما باعتبارهما عنصرين أساسيين في احتساب العائد المعدل بالمخاطر.
وأوضح شقير، أن الموقف الإسباني عزز صورة البلاد كدولة تمنح الاعتبارات الإنسانية والقانونية أولوية على الحسابات التجارية قصيرة الأجل، لكنه في المقابل أثار تساؤلات لدى مديري المحافظ بشأن قدرة الاقتصاد الإسباني على استيعاب أي تكاليف إضافية قد تنشأ عن تراجع محتمل في الإيرادات المرتبطة بالفعاليات الدولية، أو ضغوط على قطاعات البث والإعلان، أو تأثيرات غير مباشرة على ثقة المستثمرين في البيئة التنظيمية.
الاقتصاد الإسباني بين متانة الأساسيات وتصاعد المخاطر
وقال سامر شقير: إن الاقتصاد الإسباني يعتمد بصورة كبيرة على قطاعي السياحة والخدمات، اللذين يمثلان نسبة مهمة من الناتج المحلي الإجمالي، مشيرًا إلى أن الانسحاب من فعالية ثقافية واحدة لن يُغير المعادلة الاقتصادية بصورة جوهرية، لكنه يبعث برسائل واضحة للأسواق بشأن أولويات السياسة الخارجية.
وأضاف شقير، أن مؤشر إيبكس 35 حقق أداءً قويًا نسبيًّا خلال عام 2025 وبداية 2026 بدعم من أسهم البنوك والطاقة، إلا أنه ظل حساسًا للتطورات الجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط.
وأكد شقير، أن هذه التطورات تكشف عن اتساع الفجوة بين الدول التي تدير سياستها الخارجية وفق رؤية استراتيجية طويلة الأجل، وتلك التي تتأثر بصورة أكبر بالاعتبارات السياسية الآنية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى إضافة علاوة مخاطر إضافية على بعض الأسواق الأوروبية التي تشهد انقسامات حول القضايا الجيوسياسية.
إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو الأسواق الأكثر استقرارًا
وأشار سامر شقير، إلى أن المستثمرين المؤسسيين يواصلون إعادة توزيع استثماراتهم باتجاه الأسواق التي تجمع بين الفرص الاقتصادية والاستقرار السياسي، لافتًا إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أصبحت من أبرز الوجهات المستفيدة من هذا التحول.
وأوضح شقير، أن رؤية السعودية 2030 لم تقتصر على تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، بل أرست منظومة استثمارية متكاملة تشمل البنية التحتية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والسياحة، مع الحفاظ على سياسة اقتصادية طويلة الأجل تدعم استقرار بيئة الاستثمار.
وأضاف شقير، أن صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول يعيدون تقييم انكشافهم على الأسواق الأوروبية في ضوء تصاعد المخاطر السياسية، مؤكدًا أن الاستقرار التنظيمي وقابلية التنبؤ بالسياسات أصبحا أكثر أهمية من العوائد الاسمية في قرارات تخصيص رأس المال.
وأشار شقير، إلى أن الأسواق التي تمتلك استراتيجية وطنية واضحة، مثل السعودية عبر الاستراتيجية الوطنية للاستثمار وصندوق الاستثمارات العامة، أصبحت أكثر قدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل.
المستثمرون المؤسسيون يعيدون تقييم المخاطر
وأكد سامر شقير، أن التطورات الأخيرة تمثل تذكيرًا بأن المخاطر الجيوسياسية لم تعد حكرًا على الأسواق الناشئة، بل أصبحت تؤثر بصورة متزايدة في الاقتصادات الأوروبية أيضًا.
وأضاف شقير، أن الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن قضايا الشرق الأوسط قد تضيف مستويات جديدة من عدم اليقين إلى تقييم السندات السيادية والأسهم المرتبطة بقطاعات السياحة والترفيه، في حين تستفيد الأسواق الخليجية من صورتها باعتبارها بيئة أكثر استقرارًا، مدعومة باحتياطيات مالية قوية وإصلاحات تنظيمية مستمرة.
وأوضح شقير، أن إدارة المحافظ الاستثمارية في مثل هذه الظروف تتطلب نهجًا أكثر تحفظًا، يعتمد على دمج المتغيرات السياسية ضمن نماذج تقييم المخاطر، مع التركيز على الأسواق القادرة على تحقيق توازن بين المبادئ والاستقرار الاقتصادي.
فرص ومخاطر المرحلة المقبلة
وقال سامر شقير: إن الشركات الإسبانية العاملة في السياحة والإعلام قد تواجه ضغوطًا محدودة على الإيرادات المرتبطة بالفعاليات الدولية، إلى جانب احتمال ارتفاع تكلفة رأس المال إذا استمرت التوترات السياسية في التأثير على تدفقات الاستثمار الأجنبي أو التصنيف الائتماني.
وتوقع شقير، أن تستفيد القطاعات السعودية المرتبطة بالسياحة والترفيه والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي من إعادة توجيه جزء من رؤوس الأموال نحو الاقتصادات التي تتمتع برؤية اقتصادية واضحة.
وأضاف شقير، أن أسواق الدخل الثابت قد تشهد تباينًا في عوائد السندات السيادية الأوروبية بحسب مستوى تعرض كل دولة للمخاطر الجيوسياسية، بينما تظل السندات الخليجية مدعومة بأسس مالية قوية، في حين قد تواجه أسهم شركات السياحة الأوروبية تقلبات أعلى مقارنة بنظيراتها في الأسواق الناشئة المنظمة.
نظرة استراتيجية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن المستثمرين المؤسسيين سيواصلون خلال الفترة المتبقية من عام 2026 إعادة توزيع محافظهم نحو الأصول التي تجمع بين النمو والاستقرار وقابلية التنبؤ.
وأضاف شقير، أن الاتجاه الاستثماري الأبرز يتمثل في تعزيز الانكشاف على الأسواق التي تربط سياساتها الخارجية بأهدافها الاقتصادية طويلة الأجل، بدلًا من ترك التوترات الجيوسياسية تحدد مسارها الاقتصادي.
وأكد شقير، أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج تواصل تعزيز موقعها التنافسي بفضل الإصلاحات المستمرة في بيئة الأعمال واستراتيجيات جذب الاستثمار، في حين ستظل قدرة الأسواق الأوروبية على الحد من تأثير القرارات السياسية والثقافية على البيئة الاقتصادية عاملًا أساسيًّا في الحفاظ على جاذبيتها أمام رأس المال العالمي.
وأشار سامر شقير في ختام حديثه إلى أن المستثمرين الذين يدمجون الإشارات الجيوسياسية مبكرًا في نماذجهم الاستثمارية سيكونون الأكثر قدرة على تحقيق عوائد مستدامة معدلة بالمخاطر في بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.