قال سامر شقير، رائد الاستثمار: إن المشهد الذي يظهر فيه رجلان يمارسان فن التاي تشي في إحدى الساحات العامة بمدينة شنغهاي الصينية، بينما تتلألأ السماء بألوان الفجر الذهبية خلف برج اللؤلؤة الشرقية الشهير وناطحات السحاب التي تعكس قوة الاقتصاد الصيني، لم يكن مجرد صورة جمالية، بل مثّل نموذجًا عمليًّا للتوازن بين الحكمة التقليدية والطموح الحديث، وبين الانضباط الداخلي والقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.
وأوضح شقير، أن هذا المشهد جسَّد فلسفة النجاح الاقتصادي الصيني، وحمل في طياته دروسًا مهمة للمستثمرين ورواد الأعمال الراغبين في بناء ثروات مستدامة.
وأضاف شقير، أن المملكة العربية السعودية تعيش اليوم، في ظل رؤية 2030، مرحلة تحول تاريخية مشابهة يلتقي فيها الإرث العريق مع الابتكار العالمي، بما يخلق فرصًا استثنائية للنمو والاستثمار.
التوازن كفن استثماري.. من تاي تشي شنغهاي إلى رؤية 2030
وأشار سامر شقير، إلى أن فن التاي تشي علّم العالم أن القوة الحقيقية لا تأتي من المواجهة المباشرة، بل من الانسياب الذكي والتوازن بين الحركة والسكون، مؤكدًا أن الاستثمار الناجح يقوم على المبدأ ذاته.
وقال شقير: إن الاستثمار الحقيقي يتطلب توازنًا دقيقًا يشبه فن التاي تشي؛ فهو يجمع بين الاستقرار والنمو الديناميكي، وبين الرؤية طويلة الأمد والتكيف مع المتغيرات، ولذلك دعوت باستمرار إلى ما أسميه بالنموذج الهجين.
وأضاف شقير، أن هذا النموذج تجسد بوضوح في المملكة العربية السعودية، حيث يقود صندوق الاستثمارات العامة (PIF) عملية تحول اقتصادي شاملة تجمع بين المشاريع العملاقة والمنظومة الاقتصادية الداعمة لها، الأمر الذي أوجد فرصًا استثمارية متعددة المستويات للمستثمرين المحليين والدوليين.
السعودية تعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي
وأكد سامر شقير، أن المملكة تمر بمرحلة تاريخية من إعادة تسعير مكانتها كمركز استثماري، مشيرًا إلى أن رؤية 2030 ليست مجرد استراتيجية وطنية، بل تمثل خارطة طريق لرؤوس الأموال العالمية الباحثة عن الاستقرار والنمو المستدام، والمملكة، بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتكون من أكبر المستفيدين من التحولات الاقتصادية العالمية.
وأضاف شقير، أن العديد من أصحاب الثروات حول العالم، بمَن فيهم مستثمرون صينيون، باتوا يسعون إلى تنويع محافظهم الاستثمارية والبحث عن وجهات آمنة وواعدة لنقل رؤوس أموالهم، وهو ما يجعل السعودية خيارًا استراتيجيًّا بفضل استقرارها السياسي، ووضوح رؤيتها التنموية، وتنامي شراكاتها مع الصين في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة.
خمسة مسارات استراتيجية للاستثمار في عام 2026
وأشار سامر شقير، إلى أنه مع إعلان عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي ضمن مستهدفات رؤية 2030، ومع إطلاق استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026-2030 المرتكزة على الأبعاد المالية والاستراتيجية والرؤيوية، فقد حدد خمسة مسارات رئيسية رأى أنها تمثل أبرز الفرص الاستثمارية عالية التأثير خلال السنوات المقبلة.
وأوضح شقير أن هذه المسارات تشمل:
– الطاقة والتصنيع المتجدد: من خلال توطين صناعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.
– اللوجستيات والمواني: عبر تعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي يربط بين الشرق والغرب.
– التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: من خلال بناء بنية تحتية متطورة وإقامة شراكات مع شركات عالمية كبرى مثل NVIDIA، مع توقعات بمساهمة القطاع بنحو 135 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.
– التعدين والمواد الاستراتيجية: عبر الاستفادة من الثروات المعدنية الضخمة لدعم الصناعات المستقبلية.
– أسواق المال: من خلال تطوير سوق الأسهم والأصول البديلة وترميز الأصول بهدف جذب الاستثمارات المؤسسية.
ولفت شقير، إلى أن عام 2026 يحمل خمس مسارات استراتيجية رئيسية للمستثمرين، وأن المستثمر الذكي هو مَن يتبنى النموذج الهجين لتحقيق أفضل النتائج على المدى الطويل.
نصائح عملية لبناء ثروة مستدامة في السعودية
وأكد سامر شقير، أن تحويل الرؤى الاقتصادية إلى نتائج ملموسة يتطلب اتباع مجموعة من المبادئ الاستثمارية العملية، موضحًا أنه أوصى المستثمرين ورواد الأعمال بالتركيز على خمس خطوات أساسية.
ونصح شقير بما يلي:
أولًا: اعتماد النموذج الهجين من خلال الموازنة بين الاستثمارات المستقرة في الشركات الكبرى والفرص الواعدة في الشركات المتوسطة والناشئة المرتبطة بمشاريع رؤية 2030.
ثانيًا: التركيز على النظام البيئي المحيط بالمشاريع العملاقة، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى مشاريع نيوم والدرعية والبحر الأحمر، بل التوجه أيضًا نحو الشركات الموردة والبنية التحتية والتقنيات المساندة.
ثالثًا: تنويع الاستثمارات عبر القطاعات الاستراتيجية المختلفة، بما يشمل الطاقة المتجددة والسياحة والترفيه والذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية، بهدف تقليل المخاطر وتعزيز العوائد طويلة الأجل.
رابعًا: الاستثمار في رأس المال البشري وتبني معايير الحوكمة المؤسسية، نظرًا لأن الشركات التي تعتمد الابتكار والحوكمة القوية ستكون الأكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
خامسًا: التفكير عالميًّا والتنفيذ محليًّا عبر الاستفادة من الشراكات الدولية المتنامية للمملكة، وخاصة الشراكات مع الصين، للوصول إلى أسواق وتقنيات جديدة.
وشدد شقير على أن السعودية تتحول إلى ملاذ استراتيجي لرؤوس الأموال في ظل التقلبات الجيوسياسية العالمية، وأن الفرص المتاحة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والسياحة تجعلها من أبرز الوجهات الاستثمارية للباحثين عن التوازن بين الأمان والعوائد المرتفعة.
التوازن مفتاح المستقبل
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن الدرس الأهم المستفاد من ممارسي التاي تشي في شنغهاي يتمثل في القدرة على الجمع بين الجذور الراسخة والحركة المرنة نحو المستقبل.
وقال شقير: إن المستثمرين ورواد الأعمال في السعودية والخليج يمتلكون اليوم فرصة تاريخية لبناء ثرواتهم وإرثهم الاقتصادي من خلال تحقيق التوازن الاستراتيجي بين الطموحات المحلية والرؤية العالمية.
وأضاف شقير، أن رؤية 2030 لا تمثل مجرد برنامج حكومي، بل تعد دعوة مفتوحة لكل مَن يمتلك الرؤية والشجاعة والانضباط للمشاركة في صناعة المستقبل، مؤكدًا أن المستقبل سيكون من نصيب أولئك الذين يتقنون فن التوازن.
ودعا سامر شقير المستثمرين إلى البدء بدراسة الفرص المتاحة في القطاعات الاستراتيجية، والتواصل مع الخبراء المتخصصين في الاستثمار السعودي، والاستفادة من الرؤى التي طرحها لبناء مسار ناجح نحو النمو المستدام.
وأكد سامر شقير في ختام حديثه، أن الفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة العربية السعودية اليوم أكبر من أي وقت مضى، وأن التوازن يظل المفتاح الأهم لتحقيق النجاح، وأن الوقت المناسب للانطلاق هو الآن.