أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ التحول نحو كفاءة الإنفاق مع الحفاظ على الجودة أصبح أحد أهم المعايير التي تعيد رسم أولويات تخصيص رأس المال في الاقتصاد السعودي، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تفضيلًا متزايدًا للكيانات القادرة على تحقيق أفضل قيمة مقابل كل ريال يتم إنفاقه، سواء في القطاع العام أو الخاص.
وأوضح سامر شقير، أن ارتفاع الضغوط على الموازنات الحكومية والميزانيات التشغيلية للشركات جعل من مفهوم كفاءة الإنفاق عاملًا حاسمًا في تحديد قدرة المؤسسات على خلق قيمة مستدامة، مؤكدًا أن خفض التكاليف وحده لم يعد معيارًا كافيًا للنجاح، إذ أصبحت الأسواق والمستثمرون المؤسسيون يركزون على قدرة الإدارات على تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية وجودة المنتجات والخدمات واستدامة الأصول.
وأشار سامر شقير، إلى أن هذا التحول يكتسب أهمية خاصة مع استمرار برامج التنويع الاقتصادي في المملكة ودول الخليج، حيث تتقاطع أهداف رؤية 2030 مع توجهات المستثمرين المؤسسيين الباحثين عن عوائد طويلة الأجل معدلة بالمخاطر، موضحًا أن رأس المال أصبح أكثر انتقائية في ظل ارتفاع تكلفة التمويل واستمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
وقال سامر شقير: إن كفاءة الإنفاق الحقيقية لا تقاس بنسبة التخفيض في الميزانية، بل بقدرة المؤسسة على تحويل كل ريال إلى أصل منتج أو خدمة ذات جودة مستدامة تولد تدفقات نقدية طويلة الأجل، مشيرًا إلى أن المؤسسات التي تنجح في إدارة هذه المعادلة ستكون الأكثر قدرة على جذب رأس المال وتحقيق النمو المستدام.
وأكد سامر شقير، أن الأسواق العالمية تشهد إعادة تقييم واسعة لطريقة تخصيص رأس المال نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة والتحديات الجيوسياسية، وهو ما جعل تمويل المشاريع الكبرى أكثر انتقائية، حيث أصبح على الحكومات والشركات إثبات قدرة كل وحدة إنفاق على تحقيق أثر اقتصادي ملموس دون الإضرار بالمعايير التشغيلية أو مستويات الجودة.
التحول في معايير تقييم الاستثمار والإنفاق
وأوضح سامر شقير، أن الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة انتقالية تركز فيها السياسات المالية على رفع كفاءة الإنفاق العام بالتوازي مع الحفاظ على زخم الاستثمارات في قطاعات استراتيجية تشمل البنية التحتية والسياحة والصناعة والطاقة المتجددة.
وأشار شقير، إلى أن هذا الاتجاه يتماشى مع التحول العالمي نحو تعزيز الإنتاجية، حيث لم تعد الشركات قادرة على الاعتماد على زيادة الحجم فقط لتحقيق النمو، بل أصبحت مطالبة بتحسين الكفاءة التشغيلية وتعظيم العائد من الموارد المستخدمة.
وأكد شقير، أن المستثمرين المؤسسيين، بما في ذلك صناديق الثروة السيادية ومديرو الأصول، يراقبون بصورة متزايدة كيفية تعامل الإدارات مع معادلة التكلفة والجودة، موضحًا أن الشركات التي تلجأ إلى خفض الجودة بهدف تحسين الهوامش قصيرة الأجل قد تواجه لاحقًا ارتفاعًا في تكاليف دورة الحياة نتيجة إعادة العمل أو فقدان الحصة السوقية أو تراجع التقييمات الاستثمارية.
وأوضح شقير، أن الكيانات التي تستثمر في أنظمة إدارة الجودة والتحول الرقمي وتحسين سلاسل التوريد تحقق مكاسب تراكمية في الإنتاجية والربحية، لأنها لا تكتفي بخفض المصروفات وإنما تبني قدرات تشغيلية أكثر كفاءة واستدامة.
وقال سامر شقير: إن الأسواق بدأت تكافئ الإدارات التي تنظر إلى الإنفاق باعتباره أداة لصناعة ميزة تنافسية مستدامة وليس مجرد بند يجب تقليصه بأي ثمن، مؤكدًا أن المستثمر طويل الأجل يفضل هامش ربح أقل قليلًا في الوقت الحالي إذا كان مدعومًا بجودة عالية تضمن استمرارية النمو في المستقبل.
تأثير كفاءة الإنفاق على القطاعات الرئيسية وتدفقات رأس المال
وأشار سامر شقير، إلى أن التحول نحو كفاءة الإنفاق المقترنة بالجودة يمتد تأثيره إلى العديد من القطاعات الحيوية، موضحًا أن قطاعي البنية التحتية والعقارات يشهدان اهتمامًا متزايدًا بالمطورين والمقاولين القادرين على تنفيذ مشاريع تلبي معايير الاستدامة والكفاءة التشغيلية.
وأضاف شقير، أن هذا التوجُّه ينعكس بصورة إيجابية على تقييمات الأصول وجاذبيتها أمام صناديق الاستثمار العقاري والمستثمرين الأجانب، حيث أصبحت جودة التنفيذ والقدرة على إدارة دورة حياة الأصل من العوامل الأساسية في قرارات الاستثمار.
وفي قطاعي التصنيع والخدمات اللوجستية، أوضح شقير أن الشركات التي تدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة اللحظية قادرة على تحقيق وفورات تشغيلية دون التأثير على جودة المنتجات، ما يعزز قدرتها على المنافسة ضمن سلاسل التوريد الإقليمية والعالمية.
وأكد شقير، أن قطاعات الصحة والسياحة والتعليم تمثل نماذج واضحة لأهمية الإنفاق الكفء، نظرا لارتباط الجودة بشكل مباشر بتجربة المستخدم وجاذبية القطاع أمام المستثمرين والشركاء من القطاع الخاص.
وأشار سامر شقير، إلى أن تسارع التحول الرقمي يخلق فرصًا استثمارية جديدة للشركات المتخصصة في تحسين الكفاءة التشغيلية، سواء من خلال الأتمتة أو تحليل البيانات أو تطوير أنظمة إدارة الموارد البشرية، باعتبارها أدوات تساعد المؤسسات على تحقيق وفورات طويلة الأجل مع الحفاظ على مستويات الأداء.
وأوضح شقير، أن الشركات التي تعتمد على نموذج التكلفة المنخفضة فقط دون استثمار مواز في الجودة تواجه ضغوطًا متزايدة، نتيجة ارتفاع توقعات المستهلكين والمستثمرين وتشدد المتطلبات التنظيمية في عدد من القطاعات.
وأضاف سامر شقير، أن تدفقات رأس المال ستتجه بصورة أكبر نحو الكيانات التي تثبت قدرتها على تحقيق توازن مستدام بين الكفاءة والجودة، خصوصًا في الأسواق التي تشهد منافسة قوية على التمويل والمواهب.
رؤية المستثمرين المؤسسيين لمعايير تخصيص رأس المال
وأكد سامر شقير، أن مديري المحافظ وصناديق الاستثمار يتعاملون مع كفاءة الإنفاق من منظور إدارة المخاطر والعائد، موضحًا أن الإنفاق غير الكفء، حتى إذا بدا منخفض التكلفة في المدى القصير، قد يتحول إلى التزامات مستقبلية أو يؤدي إلى انخفاض القيمة الاقتصادية للأصول.
وأشار شقير، إلى أن عمليات العناية الواجبة الاستثمارية أصبحت تركز بشكل أكبر على مؤشرات الإنتاجية وتكاليف دورة الحياة ومستويات رضا العملاء ومعدلات إعادة العمل، بدلًا من الاكتفاء بقياس نسب المصروفات إلى الإيرادات.
وأوضح شقير، أن تخصيص رأس المال في المرحلة المقبلة سيتطلب قدرة أكبر على التمييز بين الكفاءة الحقيقية والكفاءة الشكلية، مشيرًا إلى أن الشركات التي تخفض الإنفاق على حساب القدرات التشغيلية أو الابتكار قد تحقق نتائج إيجابية مؤقتة، لكنها تفقد قدرتها التنافسية عندما تتغير ظروف السوق.
وأضاف سامر شقير، أن الاستثمار في القدرات الرقمية والبشرية أصبح جزءًا أساسيًّا من أي استراتيجية ناجحة لتحسين الكفاءة، لأنه يحافظ على الجودة وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام خفض التكاليف الهيكلية.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، أكد سامر شقير أن رفع كفاءة الإنفاق يدعم أهداف رؤية 2030 من خلال تعزيز مساهمة القطاع الخاص وتحسين إنتاجية المشاريع الحكومية والشراكات الاستثمارية، موضحًا أن ارتفاع العوائد الاقتصادية والاجتماعية للمشروعات يعزز جاذبية المملكة أمام الاستثمار الأجنبي المباشر ورأس المال المؤسسي.
الآفاق الاستراتيجية لتوجهات رأس المال
وأوضح سامر شقير، أن كفاءة الإنفاق المرتبطة بالجودة ستظل أحد المحددات الرئيسية لقرارات الاستثمار في المنطقة خلال السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أن المستثمرين القادرين على دمج هذه المعادلة ضمن نماذج التقييم الخاصة بهم سيكونون أكثر قدرة على تحديد الفرص التي تجمع بين النمو والاستدامة والمخاطر المدروسة.
وأكد شقير، أن ارتفاع تكلفة رأس المال وتشديد شروط التمويل يجعلان القدرة على تحقيق قيمة أعلى من كل وحدة إنفاق ميزة تنافسية حقيقية، موضحًا أن الشركات والمشاريع التي تثبت قدرتها على تحسين الإنتاجية مع الحفاظ على الجودة ستكون الأكثر جذبا لتدفقات رأس المال المحلية والدولية.
وأشار سامر شقير، إلى أن استمرار الحكومات في مراجعة برامج الإنفاق وتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية سيؤدي إلى إعادة تقييم الأصول وفقًا لقدرتها على خلق قيمة مستدامة، وليس فقط وفقًا لقدرتها على خفض التكاليف.
واختتم سامر شقير تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تسعير للأصول بناء على قدرتها على الحفاظ على الجودة وتحسين الكفاءة في الوقت نفسه، موضحًا أن الاستثمار الاستراتيجي في الأنظمة والعمليات والكفاءات البشرية يمثل الطريق الأكثر موثوقية لتعظيم العوائد طويلة الأجل في بيئة اقتصادية تتطلب مستويات أعلى من الإنتاجية والمرونة والقدرة على التكيف.