شهد قطاع السيارات العالمي تحولًا لافتًا خلال الفترة الأخيرة، بعدما أصبحت العديد من المصانع الأوروبية تنتج سيارات صينية بوتيرة متسارعة، في مشهد يعيد رسم خريطة صناعة السيارات العالمية ويكشف عن مرحلة جديدة من المنافسة والتكامل الصناعي بين الشرق والغرب.
وفي هذا السياق، قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن ما يحدث اليوم في أوروبا يمثل تحولًا استراتيجيًّا يتجاوز كونه مجرد توسع للشركات الصينية، مؤكدًا أن هذه التطورات تفتح آفاقًا استثمارية مهمة أمام المملكة العربية السعودية في إطار مستهدفات رؤية 2030.
السيارات الصينية تتوسع داخل أوروبا بوتيرة متسارعة
وأوضح سامر شقير، أن البيانات الصادرة عن S&P Global Mobility أظهرت ارتفاع حصة السيارات الصينية في الأسواق الأوروبية إلى 5.8% خلال عام 2025، وهو ما يعادل ضعف مستواها المسجل في عام 2024.
وأضاف شقير، أن التوقعات تشير إلى استمرار هذا النمو لتصل الحصة السوقية إلى 15.5% بحلول عام 2035، لافتًا إلى أن نحو 44% من السيارات الصينية المباعة في أوروبا يُتوقع إنتاجها محليًّا داخل القارة عبر مصانع وشراكات صناعية مشتركة، الأمر الذي يساعد الشركات الصينية على تجاوز الرسوم الجمركية وتعزيز حضورها في الأسواق الأوروبية.
وأشار شقير، إلى أن هذا التحول يعكس واقعًا اقتصاديًّا جديدًا أصبحت فيه أوروبا منصة إنتاج مهمة للعلامات الصينية الكبرى مثل BYD وMG وChery وGeely.
شراكات صناعية تُعيد تشكيل المنافسة العالمية
وقال سامر شقير: إن عددًا من المصانع الأوروبية يواجه حاليًا فائضًا في الطاقة الإنتاجية نتيجة تباطؤ الطلب على السيارات التقليدية، وهو ما دفع العديد من الشركات إلى البحث عن شراكات استراتيجية مع المصنعين الصينيين.
وأوضح شقير، أن أبرز الأمثلة على هذه التحولات تشمل إنشاء مصنع جديد لشركة BYD في المجر، وإطلاق مصنع Chery في برشلونة بالشراكة مع EBRO داخل موقع نيسان السابق، إلى جانب تعاون Leapmotor مع Stellantis في إسبانيا، فضلًا عن المحادثات الجارية بين Geely وفورد، وبين Chery وكل من نيسان وJaguar Land Rover.
وأضاف شقير، أن هذه النماذج من التعاون الصناعي تسمح للشركات الصينية بتعزيز وجودها داخل أوروبا مع نقل جزء من التكنولوجيا والإنتاج إلى القارة، وهو ما أسهم في النمو السريع لعلامات مثل MG وBYD وChery التي تستحوذ مجتمعة على أكثر من 80% من مبيعات السيارات الصينية في أوروبا.
سامر شقير: السعودية في موقع مثالي للاستفادة من التحول العالمي
وأكد سامر شقير، أن المملكة تمتلك فرصة استثنائية للاستفادة من هذه التحولات العالمية، خاصة في ظل الجهود المتسارعة لتوطين الصناعات المتقدمة وتنويع القاعدة الاقتصادية.
وأشار شقير، إلى أن مصنع لوسيد موتورز في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية يمثل خطوة محورية في بناء صناعة سيارات متطورة داخل المملكة، إلى جانب الشراكات القائمة مع هيونداي والمشروعات الوطنية الواعدة مثل CEER.
وأضاف شقير، أن هذه المبادرات تتوافق بصورة مباشرة مع أهداف رؤية 2030 الهادفة إلى تطوير الصناعات المستقبلية وخلق فرص عمل نوعية وتعزيز المحتوى المحلي.
وقال شقير: إن ما تشهده أوروبا حاليًا ليس مجرد منافسة بين الصين وأوروبا، بل يمثل فرصة استراتيجية للسعودية للاستفادة من نقل التكنولوجيا واستقطاب الشراكات الصناعية العالمية لبناء قدرات تصنيعية متقدمة تدعم النمو الاقتصادي المستدام.
الاستثمار في سلسلة القيمة الكاملة للسيارات الكهربائية
وأوضح سامر شقير، أن المستثمرين الذين يقرأون التحولات العالمية مبكرًا هم الأكثر قدرة على تحقيق مزايا تنافسية طويلة الأجل.
وأضاف شقير، أن صعود السيارات الكهربائية الصينية عالميًّا يفرض التركيز على سلسلة القيمة الكاملة للقطاع، وليس فقط على تصنيع السيارات نفسها.
وأشار شقير، إلى أن الفرص الاستثمارية الأكثر جاذبية تشمل المعادن الحرجة المستخدمة في البطاريات، وتصنيع البطاريات، والبنية التحتية لمحطات الشحن، إضافة إلى البرمجيات الذكية وتقنيات التنقل الحديثة.
وأكد شقير، أن هذه القطاعات تحظى بدعم قوي من صندوق الاستثمارات العامة والعديد من المبادرات الحكومية المرتبطة برؤية 2030.
توطين التكنولوجيا وتعزيز الاستقلال الصناعي
وقال سامر شقير: إن أسواق المال العالمية لا تزال تتأثر بالتوترات التجارية والرسوم الجمركية والصراعات الاقتصادية بين القوى الكبرى، وهو ما يجعل الاستثمار في الأصول الحقيقية والمشروعات الصناعية خيارًا أكثر جاذبية على المدى الطويل.
وأضاف شقير، أن الشراكات مع الشركات الصينية يمكن أن تسهم في تسريع عمليات توطين التكنولوجيا داخل المملكة وتقليل الاعتماد على الواردات، بما يعزز القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي في المستقبل.
وأشار شقير، إلى أهمية متابعة الفرص الاستثمارية في الشركات الناشئة العاملة في مجالات التنقل الذكي والخدمات اللوجستية المتقدمة، مؤكدًا أن هذه القطاعات ستكون من أبرز المستفيدين من التحول العالمي في صناعة السيارات.
فرص استثمارية واعدة للمستثمرين الخليجيين
وأكد سامر شقير، أن المستثمرين في السعودية والخليج يمكنهم الاستفادة من هذا التحول عبر عدة مسارات استراتيجية، من بينها الاستثمار في مشاريع نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، ودعم الصناعات المحلية المرتبطة بالسيارات الكهربائية ومكوناتها.
وأضاف شقير، أن التركيز على سلاسل الإمداد والتوريد، بما يشمل المعادن والبطاريات ومحطات الشحن والبرمجيات، يمثل فرصة واعدة لتحقيق عوائد مستدامة خلال السنوات المقبلة، مشددًا على أهمية الاستفادة من المبادرات الحكومية وبرامج الدعم المرتبطة برؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب تبني استراتيجيات تنويع تجمع بين الاستثمار المباشر والمشاركة في أسواق المال المرتبطة بقطاع التنقل المستقبلي.
أبرز الرسائل الاستثمارية
وأشار سامر شقير، إلى أن التحول الجاري في أوروبا يعكس بداية مرحلة جديدة في صناعة السيارات العالمية، حيث أصبحت الشراكات الصناعية ونقل التكنولوجيا عوامل حاسمة في تحديد موازين المنافسة.
وأضاف شقير، أن السعودية تمتلك المقومات اللازمة للاستفادة من هذه التغيرات بفضل الرؤية الاقتصادية الواضحة والبنية التحتية المتطورة والدعم الحكومي الكبير.
وأكد شقير في ختام حديثه، أن المستقبل سيكون من نصيب الاقتصادات والمستثمرين القادرين على استباق الاتجاهات العالمية، مشيرًا إلى أن المملكة تمتلك الرؤية والموارد والإرادة اللازمة لتحويل هذا التحول العالمي في صناعة السيارات إلى ميزة تنافسية حقيقية تدعم الاقتصاد الوطني لعقود مقبلة.