أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ اعتزام مصر إتمام القيد النهائي لأربع شركات مملوكة للدولة في البورصة المصرية قبل نهاية العام الجاري يمثل خطوة استراتيجية تعيد رسم خريطة تخصيص رأس المال في الأسواق الناشئة، وتعكس انتقال برنامج الطروحات الحكومية من مرحلة الإعداد إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بما يعزز قدرة السوق المصرية على جذب الاستثمارات المؤسسية طويلة الأجل.
وأوضح سامر شقير، أن هذه الخطوة تأتي في توقيت يشهد فيه مؤشر EGX30 مستويات تقترب من 53 ألف نقطة، مدعومًا بأداء سنوي يتجاوز 50% في بعض المقاييس، وهو ما يوفر بيئة مواتية لاستقطاب تدفقات استثمارية محلية وإقليمية، ويضع السوق المصرية أمام اختبار حقيقي لتحويل الإصلاحات الهيكلية إلى فرص استثمارية مستدامة.
وأشار سامر شقير، إلى أن إعلان مساعد رئيس مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، هاشم السيد، بشأن الانتقال من القيد المؤقت لعشرين شركة إلى القيد النهائي والتداول الفعلي لأربع شركات على الأقل قبل ديسمبر المقبل، يمثل مرحلة انتقالية حاسمة في برنامج الطروحات الحكومية، خاصة مع التزام الهيئة العامة للرقابة المالية بإطلاق نشاط صانع السوق، بالتوازي مع تنفيذ برنامج تدريبي متخصص لتأهيل القيادات التنفيذية والمالية بالشركات المستهدفة.
وأضاف سامر شقير، أن هذه الإجراءات لا تستهدف فقط زيادة عدد الأسهم المتاحة للتداول، وإنما تسهم في إعادة هيكلة منظومة السيولة والحوكمة داخل سوق المال المصرية، بما يعزز كفاءة السوق ويرفع من قدرتها على استيعاب الاستثمارات المؤسسية.
وأكد سامر شقير، أن هذه التطورات تأتي في إطار وثيقة سياسة ملكية الدولة المحدثة وبرنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والذي يركز على تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي وتعزيز الحياد التنافسي، لافتًا إلى أن وحدة الشركات المملوكة للدولة كانت قد انتهت بالفعل من القيد المؤقت لعشرين شركة، منها سبع عشرة شركة تابعة لقطاع الأعمال العام، وثلاث شركات من قطاع البترول هي إنبي وإيلاب وخدمات البترول البحرية، بالإضافة إلى شركة المعمورة للتعمير والتنمية السياحية، فيما يبلغ إجمالي رؤوس أموال شركات البترول الثلاث نحو 687 مليون دولار، وهو ما يعكس حجم الأصول المستهدفة ضمن البرنامج.
وأوضح سامر شقير، أن القيد النهائي المرتقب سينقل هذه الشركات من مرحلة التجهيز التنظيمي إلى التداول الفعلي، بما يتيح طرح حصص تتراوح عادة بين 10% و20%، ويفتح المجال أمام مشاركة أوسع للمستثمرين.
وفيما يتعلق بقطاع الغزل والنسيج، أشار شقير إلى أن إعادة هيكلة شركة غزل المحلة وتقسيمها إلى شركتين، إحداهما تضم الأصول الصناعية المحدثة، بما في ذلك أكبر مصنع غزل في العالم من حيث عدد المرادن تحت سقف واحد، تمثل نموذجًا واضحًا لإعادة هيكلة الأصول بهدف إنشاء كيان أكثر قدرة على المنافسة والتصدير وجذب المستثمرين الاستراتيجيين أو الطرح في البورصة.
وقال سامر شقير: إن هذا النموذج يجسد أحد أهم مبادئ تخصيص رأس المال في الأسواق الناشئة، من خلال فصل الأنشطة ذات العوائد المستقبلية عن الأعباء التاريخية، بما يسمح بتقييم أكثر عدالة للأصول ويزيد من جاذبيتها أمام المستثمرين الباحثين عن فرص نمو هيكلية وليس مجرد مكاسب قصيرة الأجل.
وأشار شقير، إلى أن الهيئة العامة للرقابة المالية أطلقت برنامجًا تدريبيًّا وطنيًّا هو الأول من نوعه لتأهيل الشركات الحكومية للقيد النهائي والطرح، ويشمل سبعة محاور رئيسية تغطي الإطار التشريعي، والجاهزية المالية والمحاسبية، والحوكمة والاستدامة، والإفصاح، ونشرات الطرح، موضحًا أن البرنامج يستهدف الشركات العشرين المقيدة مؤقتا إلى جانب شركات أخرى في قطاعات البترول والتعدين والأدوية والسياحة والمقاولات والصناعة.
وأضاف شقير، أن الهيئة تتجه أيضًا إلى إطلاق نشاط صانع السوق، مع زيادة عدد الوسطاء المرخص لهم بتداول العقود المستقبلية واستكمال منظومة المشتقات، وهي خطوات من شأنها معالجة أحد أبرز التحديات التاريخية التي واجهت السوق المصرية والمتمثلة في محدودية السيولة داخل عدد كبير من الأسهم.
وأكد سامر شقير، أن وجود صانع سوق فعال يغير بصورة جوهرية معادلة المخاطر في الأسواق ذات العمق المحدود، إذ يمنح مديري الأصول القدرة على بناء مراكز استثمارية أكبر وأكثر استقرارًا، مع توفير أدوات لإدارة المخاطر عبر المشتقات المالية، وهو ما قد يعيد تصنيف البورصة المصرية ضمن أولويات التخصيص الاستثماري للصناديق السيادية وصناديق التقاعد في دول الخليج.
وأوضح شقير، أن المستثمرين المؤسسيين ينظرون إلى هذه التطورات من زاويتين رئيسيتين، الأولى ترتبط بجودة الأصول المطروحة، والثانية باستدامة البيئة التنظيمية، فشركات قطاع البترول والخدمات المرتبطة به تمنح المستثمرين فرصة للتعرض لسلسلة القيمة في مجالات الطاقة والكيماويات، بينما تمثل شركة المعمورة فرصة استثمارية في قطاعي السياحة والعقار، في حين يحمل الكيان الجديد الناتج عن إعادة هيكلة غزل المحلة إمكانات كبيرة في التصنيع التصديري بعد الاستثمارات الضخمة التي شهدتها المصانع خلال السنوات الماضية.
وأشار شقير، إلى أن الطروحات الفعلية من المتوقع أن تبدأ خلال الربع الأخير من العام، مع ترجيح أن تكون الفترة اعتبارًا من ديسمبر الأكثر نشاطًا بعد انتهاء موسم الصيف الذي تفضل بنوك الاستثمار عادة تجنب تنفيذ الطروحات خلاله، بالتزامن مع استمرار العمل على تأهيل شركات إضافية، من بينها كيان متخصص في قطاع التشييد.
وشدد سامر شقير، على أن نجاح برنامج الطروحات لن يقاس فقط بحجم الأموال التي سيتم جمعها، وإنما بقدرة السوق على استيعاب هذه الطروحات دون ضغوط سعرية كبيرة، وبمدى التزام الشركات بعد الإدراج بمعايير الإفصاح والحوكمة، مؤكدًا أن التجارب الناجحة في الأسواق الناشئة أثبتت أن الطروحات الحكومية تصبح أكثر تأثيرًا عندما تتحول إلى نقطة انطلاق لتحسين جودة الشركات المدرجة وتعزيز كفاءة السوق ككل.
وأوضح شقير، أن الفرصة الرئيسية تتمثل في تنويع قاعدة الملكية وزيادة رأس المال السوقي، بما يعزز جاذبية المؤشرات المصرية أمام الصناديق الاستثمارية السلبية والنشطة، كما أن إدخال أدوات مثل صانع السوق والمشتقات المالية يفتح المجال أمام استراتيجيات أكثر تطورًا في إدارة المحافظ الاستثمارية، تشمل التحوط وتعظيم العوائد.
وأشار شقير، إلى أن أبرز المخاطر تتمثل في سرعة تنفيذ البرنامج، وتوقيت الطروحات في ظل تقلبات أسعار الفائدة العالمية وأسعار النفط، إضافة إلى قدرة الشركات على تقديم خطط نمو مقنعة بعد الإدراج، فضلًا عن تأثير أي ضغوط تضخمية أو تأخير في الإصلاحات الهيكلية على تقييمات الأصول.
وأكد سامر شقير، أن المستثمرين أصحاب الرؤية طويلة الأجل والقادرين على تقييم الأصول الصناعية وقطاعات الطاقة والسياحة في مصر قد يجدون في هذه المرحلة فرصة استثمارية نادرة، حيث لا تزال التقييمات تعكس خصم الأسواق الناشئة قبل اكتمال دورة تعميق السوق وارتفاع مضاعفات التقييم تدريجيًّا.
واختتم سامر شقير تصريحاته بالتأكيد على أن تسريع القيد النهائي للشركات الحكومية وإطلاق أدوات السيولة الجديدة يمثلان اختبارًا حقيقيًّا لقدرة مصر على تحويل برنامج الطروحات من التزام مرتبط بالإصلاحات إلى محرك داخلي لتعميق سوق المال، موضحًا أن نجاح الشركات الأربع الأولى في جذب مشاركة مؤسسية قوية قد يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية إضافية لبقية الشركات المقيدة مؤقتًا، وكذلك أمام طروحات خاصة مستقبلية.
وقال سامر شقير: إن مصر تمتلك واحدة من أكبر القواعد السكانية والصناعية في المنطقة، ما يجعل أي تطوير هيكلي في سوقها المالي ذا تأثير إقليمي واسع، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة الإصلاحات التنظيمية إلى تحسن مستدام في جودة الشركات المدرجة، وقدرة السوق على الاحتفاظ برؤوس الأموال بعد الطرح وليس فقط جذبها خلال الاكتتاب.
وأضاف سامر شقير في ختام البيان: “المرحلة المقبلة لن تقاس بعدد الطروحات الحكومية فقط، وإنما بمدى نجاحها في إعادة تعريف البورصة المصرية كمنصة قادرة على استيعاب رؤوس أموال مؤسسية تبحث عن نمو هيكلي طويل الأجل في الأسواق الناشئة، رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تشهدها الدورة الاقتصادية العالمية”.